الحديث رقم 260

كتاب الأدب والتربية · المدة 9:01 · المقطع 2 من 60

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

في باب الزهد والرقائق، أخرج أحمد والترمذي وابن حبان والطبراني في الكبير والبيهقي في الشعب بسند صحيح عن فضالة بن عبيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى يخر رجال من قامتهم في الصلاة لما بهم من الخصاصة، وهم أصحاب الصفة، حتى يقول الأعراب: إن هؤلاء مجانين. فإذا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة انصرف إليهم، فقال لهم: لو تعلمون ما لكم عند الله لأحببتم لو أنكم تزدادون حاجةً وفاقة. قال فضالة: وأنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ. الخصاصة: الجوع، والفاقة: الحاجة والفقر. وأخرج البخاري عن محمد بن سيرين قال: كنا عند أبي هريرة وعليه ثوبان ممشقان من كتان، فتمخط، فقال: بخٍ بخٍ، أبو هريرة يتمخط في الكتان؟ لقد رأيتني وإني لأخر فيما بين منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حجرة عائشة مغشيًّا علي، فيجيء الجائي فيضع رجله على عنقي، ويرى أني مجنون، وما بي من جنون، ما بي إلا الجوع. الممشقان: المصبوغان بالمشق، وهو صبغ أحمر. وقوله: بخٍ بخٍ، كلمة تقال عند المدح والرضا بالشيء، وتكرر للمبالغة. والكتان نبات تتخذ من أليافه المنسوجة الثياب. وقوله يُرى بضم الياء بمعنى يظن، وبفتحها يرى من الرأي. وأخرج البخاري عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أتي بطعام وكان صائماً، فقال: قُتل مصعب بن عمير وهو خير مني، فكفن في بردة، إن غُطي رأسه بدت رجلاه، وإن غُطي رجلاه بدا رأسه، وقُتل حمزة وهو خير مني، ثم بُسط لنا من الدنيا ما بُسط، أو قال: أُعطينا من الدنيا ما أُعطينا، وقد خشينا أن تكون حسناتنا عُجلت لنا. ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام. وأخرج البخاري ومسلم عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: هاجرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نبتغي وجه الله، فوقع أجرنا على الله، فمنا من مات لم يأكل من أجره شيئاً، منهم مصعب بن عمير، قُتل يوم أُحد فلم يوجد له شيء يُكفن فيه إلا نمرة، إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطينا رجليه خرج رأسه، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نغطي رأسه، ونجعل على رجليه شيئاً من الإذخر. ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها. مصعب بن عمير انخلع من النعيم والأموال بمكة وهاجر، وهو من كبار أصحاب الصفة الساكنين في مسجد قباء رضي الله عنهم. وقوله أينعت أي نضجت وأدركت. وقوله يهدبها أي يقطفها ويجتنيها. وقوله من مات لم يأكل من أجله شيئًا، ومن أينعت ثمرته فهو يهدبها، يشير إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: ما من غازية تغزو في سبيل الله فيسلمون ويصيبون إلا تعجلوا ثلثي أجرهم، وما من غازية تخفق وتصاب إلا تم أجرهم. وقد تقدم في باب قسمة الغنائم. وأخرج البخاري ومسلم عن قيس بن أبي حازم قال: دخلنا على خباب بن الأرت نعوده، وقد اكتوى سبع كيات في بطنه، فقال: إن أصحابنا الذين سلفوا مضوا ولم تنقصهم الدنيا، وإن أصبنا ما لا نجد له موضعًا إلا التراب، ولولا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به. ثم أتيناه مرة أخرى وهو يبني حائطًا له، فقال: إن المسلم يؤجر في كل شيء ينفقه إلا في شيء يجعله في هذا التراب. الحديث رواه الترمذي وابن ماجه، ولفظه: إن العبد ليؤجر في نفقته كلها إلا في التراب، أو قال: في البناء. وهو محمول على ما زاد على الحاجة، والدعاء بالموت أخص من تمني الموت، وكل دعاء تمنٍّ من غير عكس، والمنهي عنه تمنيه والدعاء به لضر نزل بالعبد، وهو ما عناه خباب هنا؛ لأنه كان مريضًا. وأبوب عليه مسلم بقوله: باب كراهة تمني الموت لضر نزل به. وأخرج البخاري عن ابن عمر قال: لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد بنيت بيتًا بيديَّ يكنني من المطر ويظلني من الشمس، ما أعانني عليه أحد من خلق الله. وفي رواية قال عمرو بن دينار: سمعت ابن عمر يقول: ما وضعت لبنة على لبنة منذ قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال سفيان: فذكرته لبعض أهله، فقال: والله لقد بنى، فقلت: لعله قبل. وأخرج البخاري ومسلم عن المسور بن مخرمة أن عمرو بن عوف أخبره، وكان شهد بدرًا مع النبي صلى الله عليه وسلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها، وكان النبي صلى الله عليه وسلم صالح أهل البحرين وأمر عليهم العلاء بن الحضرمي، فقدم أبو عبيدة بمال من البحرين، فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف فتعرضوا له، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآهم، ثم قال: أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء من البحرين. فقالوا: أجل يا رسول الله. فقال: أبشروا وأملوا ما يسركم، فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكنني أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم. وفي رواية: فتنافسوها كما تنافسوها، وتلهيكم كما ألهتهم. البحرين اسم لما توسط بين البصرة وعمان. وأخرج البخاري ومسلم عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوماً فصلى على قتلى أحد صلاته على الميت بعد ثمان سنين، كالمودع للأحياء والأموات، ثم طلع المنبر فقال: إني بين أيديكم فرط، وأنا عليكم شهيد، وإن موعدكم الحوض، وإني لأنظر إليه من مقامي هذا، وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا، ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها وتقتتلوا فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم. قال عقبة: فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر. تقدم في كتاب الجهاد قول الشافعي رحمه الله: جاءت الأخبار كأنها عيان، من وجوه متواترة، أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل على قتلى أحد. وأما حديث عقبة بن عامر، يعني هذا الحديث، فقد وقع في نفس الحديث أن ذلك كان بعد ثمان سنين، يعني والمخالف يقول: لا يصلى على القبر إذا طالت المدة. قال: وكأنه صلى الله عليه وسلم دعا لهم واستغفر لهم حين علم قرب أجله، مودعاً لهم بذلك، ولا يدل ذلك على نسخ الحكم الثابت، أي عدم الصلاة على الشهيد.