الحديث رقم 312

كتاب الأدب والتربية · المدة 9:10 · المقطع 54 من 60

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

في كتاب الآداب والتربية باب اللقطة، أخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن يزيد مولى المنبعث عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اللقطة، الذهب أو الورق، فقال: اعرف وكاءها وعفاصها، ثم عرفها سنة، فإن لم تعرف فاستنفقها، ولتكن وديعة عندك، فإن جاء طالبها يوماً من الدهر فأدها إليه، وإلا فشأنك بها. وفي رواية: فإن جاء صاحبها فاعرف عفاصها وعددها ووكاءها فأعطها إياه، وإلا فهي لك. قال: فضالة الغنم؟ قال: خذها، فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب. قال يزيد: وهي تعرف أيضاً. قال: فضالة الإبل؟ فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى احمرت وجنتاه، أو احمر وجهه، ثم قال: ما لك ولها؟ دعها، فإن معها حذاءها وسقاءها، ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها. اللقطة: ما يلتقط مما ضاع ولا يعرف صاحبه. والعفاص: الوعاء من العفص، وهو الثني؛ لأن الوعاء يُثنى على ما فيه. والوكاء: الخيط الذي يشد به رأس الكيس ونحوه. قوله: فضالة الغنم، قال العلماء: الضالة لا تقع إلا على الحيوان، وما سواه يقال له لقطة. وأخرج البخاري ومسلم عن سلمة بن كهيل قال: سمعت سويد بن غفلة. قال خرجت أنا وزيد بن صوحان وسلمان بن ربيعة غازين، فوجدت سوطًا فأخذته، فقالا لي: دعه. فقلت: لا، ولكنني أعرفه، فإن جاء صاحبه وإلا استمتعت به. فلما رجعنا من غزاتنا قضي لي أن حججت، فأتيت المدينة، فلقيت أبي بن كعب، فأخبرته بشأن السوط وبقولهما، فقال: إني وجدت صرة فيها مئة دينار على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتيت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: عرفها حولًا. فعرفتها فلم أجد من يعرفها، ثم أتيته فقال: عرفها حولًا. فعرفتها فلم أجد من يعرفها، ثم أتيته فقال: عرفها حولًا. فعرفتها فلم أجد من يعرفها، ثم أتيته الرابعة فقال: احفظ عددها ووعاءها ووكاءها، فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها. فاستمتعت بها. وفي رواية: فإن جاء أحد يخبرك بعددها ووعائها ووكائها فأعطها إياه، وإلا فهي كسبيل مالك. قال: فاستمتعت بها، فلقيته بعد ذلك بمكة، فقال: لا أدري بثلاثة أحوال أو حول واحد. وفي رواية قال شعبة: فسمعته يعني سلمة بن كهيل بعد عشر سنين يقول: عرفها عامًا واحدًا. قوله: عرفها أي اذكرها للناس. قال النووي: أجمع المسلمون على وجوب تعريفها سنة إذا لم تكن تافهة ولا في معنى التافهة. ولم يرد حفظها لصاحبها، بل أراد تملكها، فإن أراد حفظها لصاحبها ولم يرد تملكها، فقيل لا يلزمه التعريف، وقيل وهو الأصح يلزمه. وأما الشيء الحقير فيجب تعريفه زمناً يظن أن فاقده لا يطلبه في العادة أكثر منه، والتعريف أن ينشدها في الموضع الذي وجدها فيه، وفي الأسواق وأبواب المساجد ومواضع اجتماع الناس، فيقول: من ضاع منه شيء، من ضاع منه كذا، ويكرر ذلك بحسب العادة. قال أصحابنا: فيعرفها أولاً في كل يوم، ثم في الأسبوع، ثم في أكثر منه، انتهى ملخصاً. وقال الجمهور يجب تعريفها، فإذا انقضت مدة التعريف أكلها إنشاءً وغرم لصاحبها. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن ماجه وأبو داود والنسائي والطبراني في الكبير بسند صحيح عن عياض بن حمار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من وجد لقطة فليشهد ذوي عدل، وعند أبي داود: ذوي عدل أو ذوي عدل على الشك، ولا يكتم ولا يغيب، فإن وجد صاحبها فليردها عليه، وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء. وفي رواية: فليشهد ذوي عدل وليحفظ عفاصها ووكاءها، فإن جاء صاحبها فلا يكتم وهو أحق بها، وإن لم يجئ صاحبها فإنه مال الله يؤتيه من يشاء. وأخرج مسلم عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لقطة الحاج. قال النووي: نهى عن لقطة الحاج، يعني عن التقاطها للتملك، وأما التقاطها للحفظ فقط فلا منع منه. وقد أوضح هذا النبي صلى الله عليه وسلم في قوله في الحديث الآخر: ولا تحل لقطتها، يعني مكة، إلا لمنشد. وأخرج مسلم عن زيد بن خالد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من آوى ضالة فهو ضال ما لم يعرفها. قال الإمام النووي رحمه الله: فيه أنه يلزمه تعريف اللقطة مطلقا، سواء أراد تملكها أو حفظها لصاحبها. ويجوز أن يكون المراد بالضالة هنا ضالة الإبل ونحوها مما لا يجوز التقاطها للتملك، بل لحفظها لصاحبها، فيكون معناه: من آوى ضالة فهو ضال ما لم يعرفها أبدا ولا يتملكها. باب البيان والشعر. أخرج البخاري عن ابن عمر قال: قدم رجلان من المشرق فخطبا، فعجب الناس لبيانهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من البيان لسحرا، أو إن بعض البيان لسحر. وأخرج البخاري عن أبي بن كعب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن من الشعر حكمة. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا يريه خير له من أن يمتلئ شعرا. القيح: الصديد الذي يسيل من الدمل والجرح، ويريه. من الوَرِي: داءٌ يفسد الجوف، ومعناه قيحًا يأكل جوفه ويفسده. قال النووي: والمراد أن يكون الشعر غالبًا عليه، يشغله عن ذكر الله والقرآن والعلوم الشرعية، فهذا مذموم من أي شعر كان. فأما إذا كان القرآن والحديث وعلومهما هي الغالبة عليه، فلا يضر حفظ اليسير من الشعر. وأخرج مسلم عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: بينا نحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعرج إذ عرض شاعر ينشد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذوا الشيطان، أو أمسكوا الشيطان، لأن يمتلئ جوف رجل قيحًا خير له من أن يمتلئ شعرًا. العرج قرية جامعة على ثلاث مراحل من المدينة. قال النووي: استدل بعض العلماء بهذا الحديث على كراهة الشعر مطلقًا، قليله وكثيره، وإن كان لا فحش فيه، وتعلق بقوله: خذوا الشيطان. وقال العلماء كافة: هو مباح ما لم يكن فيه فحش ونحوه. قالوا: وهو كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح، وهذا هو الصواب. فقد سمع النبي صلى الله عليه وسلم الشعر واستنشده، وأمر به حسان في هجاء المشركين، وأنشده أصحابه بحضرته في الأسفار وغيرها، وأنشده الخلفاء وأئمة الصحابة وفضلاء السلف، ولم ينكره أحد منهم على إطلاقه، وإنما أنكر المذموم منه، وهو الفحش ونحوه. قال: وأما تسمية هذا الرجل شيطانًا فلعله كان كافرًا. أو كان الشعر غالبا عليه، أو كان شعره من المذموم، وبالجملة فتسميته شيطانا قضية عين تتطرق إليها الاحتمالات المذكورة وغيرها، ولا عموم لها، فلا يحتج بها.