الحديث رقم 317
نص الحلقة
لم نزل في حديث عائشة في قصة الإفك، قالت رضي الله عنها: فاشتكيت بها شهراً، والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك ولا أشعر، وهو يريبني في وجعي أني لا أرى من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل فيسلم، ثم يقول: كيف تيكم؟ ثم ينصرف، فذلك الذي يريبني منه، ولا أشعر بالشر حتى خرجت حين نقهت، فخرجت مع أم مسطح قبل المناصع، وهي متبرزنا، وكنا لا نخرج إلا ليلاً إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريباً من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في التبرز قبل الغائط، وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، فأقبلت أنا وأم مسطح، وهي ابنة أبي رهم بن عبد المطلب بن عبد مناف، وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق، وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب، حين فرغنا من شأننا نمشي، فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح. فقلت لها: بئس ما قلت، أتسبين رجلاً شهد بدراً؟ فقالت: يا هنتاه، ألم تسمعي ما قال؟ قلت: وما قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضاً إلى مرضي، فلما رجعت إلى بيتي دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم، وقال: كيف تيكم؟ فقلت: ائذن لي أن آتي أبوي. وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتيت أبوي، فقلت لأمي: يا أمتاه، ماذا يتحدث الناس به؟ فقالت: يا بني، هون عليك، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها. فقلت: سبحان الله، ولقد تحدث الناس بهذا. قالت: فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت أبكي، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله، فأما أسامة فأشار عليه بما يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم في نفسه من الود لهم، فقال لهم: أهلك يا رسول الله، ولا نعلم والله إلا خيرا. وأما علي بن أبي طالب فقال: يا رسول الله، لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة، فقال: أي بريرة، هل رأيت فيها شيئا يريبك؟ قالت: لا، والذي بعثك بالحق، ما رأيت منها أمرا قط أغمصه، غير أنها جارية حديثة السن، تنام عن عجين أهلها، فيأتي الداجن فيأكله. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه، فاستعذر من عبد الله بن أبي وهو على المنبر. فقال: يا معشر المسلمين، من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي؟ فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرًا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي. فقام سعد بن معاذ، أحد بني عبد الأشهل، فقال: يا رسول الله، أنا والله أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك. فقام سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج، وكانت أم حسان بنت عمه من فخذه، وكان قبل ذلك رجلًا صالحًا، ولكن احتملته الحمية، فقال لسعد بن معاذ: كذبت، لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله، ولو كان من رهطك ما أحببت أن يقتل. فقام أُسيد بن حضير، وهو ابن عم سعد بن معاذ، فقال لسعد بن عبادة: كذبت، لعمر الله لنقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين. فتثاور الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا وسكت، وبكيت يوم ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثم بكيت ليلتي المقبلة لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، فأصبح عندي أبواي، وقد بكيت ليلتين ويومًا حتى إني لأظن أن البكاء فالق كبدي. وفي روايةٍ: وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي، فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي، إذ استأذنت امرأة من الأنصار فأذنت لها، فجلست تبكي معي، فبينا نحن كذلك إذ دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسلم ثم جلس، ولم يجلس عندي منذ قيل لي ما قيل، وقد مكث شهراً لا يُوحى إليه في شأني بشيء، فتشهد صلى الله عليه وسلم حين جلس، ثم قال: أما بعد يا عائشة، فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه. فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته قال: صدمعي حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأبي: أجب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: والله ما أدري ما أقول. فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالت: والله ما أدري ما أقول، وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيراً من القرآن. فقلت: إني والله لقد علمت أنكم سمعتم ما تحدث به الناس حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به، ولئن قلت لكم إني بريئة والله يعلم أني بريئة لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني منه بريئة. لا تصدقني، وإني والله ما أجد لي ولكم مثلا، ولتمست اسم يعقوب فلم أقدر عليه إلا أبا يوسف حين قال: فصبر جميل، والله المستعان على ما تصفون. ثم تحولت فاضطجعت على فراشي، وأنا والله حينئذ أعلم أني بريئة، وأن الله مبرئي ببراءتي، ولكن والله ما كنت أظن أن الله ينزل في شأني وحيا يتلى، ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بأمر يتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله بها. فوالله ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل الله على نبيه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في يوم شات من ثقل القول الذي أنزل عليه. فسري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك، وكان أول كلمة تكلم بها أن قال لي: يا عائشة، احمدي الله. وفي رواية: أبشري يا عائشة، أما الله فقد برأك. فقالت لي أمي: قومي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت: لا والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله، هو الذي أنزل براءتي. وفي رواية قالت: وكنت أشد ما كنت غضبا، فقال لي أبواي: قومي إليه. فقلت: والله لا أقوم إليه ولا أحمده ولا أحمدكما، ولكن أحمد الله الذي أنزل براءتي. ولقد سمعتموه فما أنكرتموه ولا غيرتموه، فأنزل الله عز وجل: إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم، العشر الآيات. فلما أنزل الله هذا في براءتي، قال أبو بكر الصديق، وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق على مسطح شيئًا أبدًا بعد ما قال لعائشة. فأنزل الله: ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى إلى قوله: ألا تحبون أن يغفر الله لكم، فقال أبو بكر: بلى والله، إني لأحب أن يغفر الله لي. فرجع إلى مسطح الذي كان يجري عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبدًا.