الحديث رقم 314

كتاب الأدب والتربية · المدة 10:23 · المقطع 56 من 60

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

باب القصاص. أخرج البخاري ومسلم عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح فجزع، فأخذ سكينًا فحز بها يده، فما رقأ الدم حتى مات. قال الله تعالى: بادرني عبدي بنفسه، حرمت عليه الجنة. هذه رواية البخاري. ولمسلم قال: إن رجلًا ممن كان قبلكم خرجت به قرحة، فلما آذته انتزع سهمًا من كنانته فناكأها، فلم يرقأ الدم حتى مات. قال ربكم: قد حرمت عليه الجنة. نكأها أي قشرها وفجرها، ورقأ الدم انقطع، ولم يرقأ أي لم ينقطع. وأخرج مسلم عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كانت امرأة من بني إسرائيل قصيرة تمشي مع امرأتين طويلتين، فاتخذت رجلين من خشب، وخاتمًا من ذهب مغلق مطبق، ثم حشته مسكًا وهو أطيب الطيب، فمرت بين المرأتين فلم يعرفوها، فقالت بيدها هكذا، ونفضت شعبة يده. قال النووي: وأما اتخاذ المرأة رجلين من خشب فحكمه في شرعنا أنها إن قصدت به مقصودًا صحيحًا شرعيًا كأن تستر نفسها لئلا تُعرف فتؤذى أو نحو ذلك فلا بأس به، وإن قصدت التعاظم أو التشبه بالكاملات تزويرًا على الرجال وغيرهم فهو حرام. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اشترى رجل ممن كان قبلكم عقارًا من رجل، فوجد الذي اشترى العقار في عقاره جرةً فيها ذهب، فقال له الذي اشترى العقار: خذ ذهبك مني، إنما اشتريت الأرض ولم أبتع منك الذهب. فقال بائع الأرض: إنما بعتك الأرض وما فيها. فتحاكما إلى رجل، فقال الذي تحاكما إليه: ألكما ولد؟ فقال أحدهما: لي غلام، وقال الآخر: لي جارية. فقال: أنكحوا الغلام الجارية، وأنفقوا على أنفسهما منه وتصدقا. قال ابن حجر: قوله أنكحوا الغلام الجارية، وأنفقوا على أنفسهما منه وتصدقا، هكذا وقع بصيغة الجمع في الإنكاح والإنفاق، وبصيغة التثنية في النفسين وفي التصدق. وأخرج مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: بينا رجل في فلاة من الأرض، فسمع صوتًا في سحابة: اسقِ حديقة فلان. فتنحى ذلك السحاب، فأفرغ ماءه في حرة، فإذا شرجة من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله، فتتبع الماء، فإذا رجل قائم في حديقة يحول الماء بمسحاته، فقال له: يا عبد الله، ما اسمك؟ قال: فلان، للاسم الذي سمع في السحابة. فقال له: يا عبد الله، لِمَ تسألني عن اسمي؟ قال: إني سمعت صوتًا في السحاب الذي هذا ماؤه. يقول: اسقِ حديقة فلان لاسمك، فما تصنع فيها؟ قال: أما إذ قلت هذا، فإني أنظر إلى ما يخرج منها، فأتصدق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثًا، وأرد فيها ثلثه. وفي رواية: وأجعل ثلثه في المساكين والسائلين وابن السبيل. الشراج: مسائل الماء في الحرار، والمسحات: مجرفة من الحديد. من سحت الشيء يسحته، أي قشره قليلًا قليلًا، وسحت الشحم عن اللحم، أي قشرته عنه. وأخرج البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر رجلًا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، فقال: ائتني بالشهداء أشهدهم. فقال: كفى بالله شهيدًا. قال: فائتني بالكفيل. قال: كفى بالله كفيلًا. قال: صدقت. فدفعها إليه إلى أجل مسمى. فخرج في البحر فقضى حاجته، ثم التمس مركبًا يركبه يقدم عليه للأجل الذي أجله، فلم يجد مركبًا، فأخذ خشبة فنقرها فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة منه إلى صاحبه، ثم زجج موضعها، ثم أتى بها البحر، فقال: اللهم إنك تعلم أني تسلفت فلانًا ألف دينار، فسألني كفيلًا فقلت: كفى بالله كفيلًا، فرضي بك، وسألني شهيدًا فقلت: كفى بالله شهيدًا، فرضي بك، وإني جهدت أن أجد مركبًا أبعث إليه الذي له. فَلَمْ أَقْدِرْ، وَإِنِّي اسْتَوْدَعْتُكَهَا، فَرَمَى بِهَا فِي الْبَحْرِ حَتَّى وَلَجَتْ فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ. وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَلْتَمِسُ مَرْكَبًا يَخْرُجُ إِلَى بَلَدِهِ. فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكَبًا قَدْ جَاءَ بِمَالِهِ، فَإِذَا بِالْخَشَبَةِ الَّتِي فِيهَا الْمَالُ، فَأَخَذَهَا لِأَهْلِهِ حَطَبًا. فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ الْمَالَ وَالصَّحِيفَةَ، ثُمَّ قَدِمَ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ وَأَتَى بِأَلْفِ دِينَارٍ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا زِلْتُ جَاهِدًا فِي طَلَبِ مَرْكَبٍ لِآتِيَكَ بِمَالِكَ، فَمَا وَجَدْتُ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي جِئْتُ فِيهِ. فَقَالَ: هَلْ كُنْتَ بَعَثْتَ إِلَيَّ بِشَيْءٍ؟ قَالَ: أُخْبِرُكَ أَنِّي لَمْ أَجِدْ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي جِئْتُ فِيهِ. قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَدَّى عَنْكَ الَّذِي بَعَثْتَهُ فِي الْخَشَبَةِ، فَانْصَرَفَ بِالْأَلْفِ الدِّينَارِ رَاشِدًا. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مُعَلَّقًا فِي أَكْثَرَ مِنْ مَوْضِعٍ، وَوَصَلَهُ مُخْتَصَرًا فِي بَابِ تِجَارَةٍ فِي الْبَحْرِ، وَفِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ. وَقَوْلُهُ: زَجَّجَ مَوْضِعَهَا، أَيْ سَوَّى مَوْضِعَ النَّقْرِ وَأَصْلَحَهَا. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِيهِ فَضْلُ التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ، وَأَنَّ مَنْ صَحَّ تَوَكُّلُهُ تَكَفَّلَ اللَّهُ بِنَصْرِهِ وَعَوْنِهِ. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: انْطَلَقَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَتَّى آوَاهُمُ الْمَبِيتُ إِلَى غَارٍ، فَدَخَلُوهُ، فَانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ فَسَدَّتْ عَلَيْهِمُ الْغَارَ، فَقَالُوا: إِنَّهُ لَا يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلَّا أَنْ تَدْعُوا اللَّهَ بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ. فقال رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلاً ولا مالاً، فنأى بي في طلب شيء يوماً، فلم أرح عليهما حتى ناما. فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أغبق قبلهما أهلاً أو مالاً، فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر، والصبية يتضاغون عند قدمي، فاستيقظا فشربا غبوقهما. اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك، ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة. فانفرجت شيئاً لا يستطيعون الخروج. قال الآخر: اللهم كانت لي بنت عم كانت أحب الناس إلي، فأردتها عن نفسها وامتنعت مني، حتى ألمت بها سنة من السنين، فجاءتني فأعطيتها عشرين ومئة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها، ففعلت، حتى إذا قدرت عليها قالت: لا أحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه. فتحرجت من الوقوع عليها، فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي، وتركت الذهب الذي أعطيتها. وفي رواية: فلما وقعت بين رجليها قالت: يا عبد الله، اتق الله، ولا تفتح الخاتم إلا بحقه. فقمت عنها. اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج عنا ما نحن فيه. فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها. وقال الثالث: اللهم إني استأجرت أجراء. وأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب، فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين، فقال: يا عبد الله، أدِّ إليَّ أجري. فقلت: كل ما ترى من أجرك، من الإبل والبقر والغنم والرقيق. فقال: يا عبد الله، لا تستهزئ بي. فقلت: إني لا أستهزئ بك. فأخذه كله فاستاقه، فلم يترك منه شيئًا. اللهم فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج عنا ما نحن فيه. فانفرجت الصخرة، فخرجوا يمشون. قال الحميدي بعده: وأحاديثهم، يعني الرواة، وإن اختلفت فالمعاني متقاربة. قوله: لم أرح، يقال: أرحت الماشية وروحتها، بمعنى رددتها من المرعى إلى موضع مبيتها، وهو مراحها، بضم الميم. وقوله: لا أغبق، بفتح الهمزة وتثليث الباء، أي لا أقدم عليهما أحدًا في شرب نصيبهما عشاءً من اللبن. والغبوق شرب العشاء، والصبوح شرب أول النهار. وقوله: يتضاغون، أي يصيحون ويبكون، والضغاء صوت كل ذليل مقهور. قال النووي: وفي الحديث جواز التوسل بالأعمال الصالحة، وفيه إثبات كرامات الأولياء.