الحديث رقم 290
نص الحلقة
باب الغيرة والحجاب وغض البصر. أخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا شيء أغير من الله عز وجل. وأخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله يغار، وإن المؤمن يغار، وإن غيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله عليه. ولمسلم قال: المؤمن يغار، والله أشد غيرة. وأخرج الشيخان عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: قال سعد بن عبادة: لو رأيت رجلاً مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أتعجبون من غيرة سعد؟ والله لأنا أغير منه، والله أغير مني، ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك بعث الله المرسلين مبشرين ومنذرين، ولا أحد أحب إليه المدحة، وفي رواية: المدح من الله، ومن أجل ذلك وعد الله الجنة. ولمسلم نحوه، وفيه: ولا شخص أغير من الله، ولا شخص أحب إليه العذر من الله، ولا شخص أحب إليه المدحة من الله، من أجل ذلك وعد الله الجنة. قوله غير مصفح، ويقال غير مصفح، أي غير ضارب بعرضه بل بحده، فمن فتح جعله وصفًا للسيف غير مصفح، ومن كسر جعله وصفًا للضارب غير مصفح، يقال ضربه بالسيف غير مصفح إذا ضربه بحده، وضربه صفحًا إذا ضربه بعرضه، والصفيحة من السيوف هي العريضة منها. وأخرج مسلم عن أبي هريرة قال: قال سعد بن عبادة: يا رسول الله، لو وجدت مع أهلي رجلًا لم أمسه، وفي رواية: إن وجدت مع امرأتي رجلًا أأمهله حتى آتي بأربعة شهداء؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم. قال: كلا والذي بعثك بالحق، إن كنت لأعاجله بالسيف قبل ذلك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اسمعوا إلى ما يقول سيدكم، إنه لغيور، وأنا أغير منه، والله أغير مني. وفي أخرى قال: يا رسول الله، أرأيت الرجل يجد مع امرأته رجلًا أيقتله؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا. قال سعد: بلى، والذي أكرمك بالحق. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اسمعوا إلى ما يقول سيدكم. وأخرج البخاري ومسلم عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إياكم والدخول على النساء. فقال رجل من الأنصار: أفرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت. زاد مسلم قال الليث: الحمو أخو الزوج، وما أشبهه من أقارب الزوج، ابن العم ونحوه. وأخرج مسلم عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا لا يبيتن رجل عند امرأة ثيب إلا أن يكون ناكحًا أو ذا محرم. قال النووي: قال العلماء: خص الثيب لأنها يدخل عليها غالبًا، وأما البكر فمصونة، مجانبة للرجال أشد المجانبة، فلم يحتج لذكرها، ولأنه من باب التنبيه، فإذا نُهي عن الثيب فالبكر أولى. وفي هذا الحديث والأحاديث قبله تحريم الخلوة بالأجنبية، وإباحة الخلوة بمحارمها، وهذان الأمران مجمع عليهما. وأخرج مسلم عن عبد الله بن عامر بن العاص رضي الله عنهما أن نفرًا من بني هاشم دخلوا على أسماء بنت عميس، فدخل أبو بكر وهي تحته يومئذ، فرآهم فكره ذلك، فذكره لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: لم أر إلا خيرًا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله قد برأها من ذلك. ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فقال: لا يدخلن رجل بعد يومي هذا على مغيبة إلا ومعه رجل أو اثنان. المغيبة: الغائب زوجها عن منزلها، مسافرًا كان أو حاضرًا في البلد، كما يدل هذا الحديث، فإن حضرها فهي مشهد بغيرها. قال النووي: ظاهر هذا الحديث جواز خلوة الرجلين أو الثلاثة بالأجنبية، والمشهور عند أصحابنا تحريمه، فيتأول الحديث على جماعة يبعد وقوع المواطأة منهم على الفاحشة لصلاحهم أو مروءتهم أو غير ذلك. وقد أشار القاضي إلى نحو هذا التأويل. وأخرج مسلم عن بريدة بن الحصيب الأسلمي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حرمة نساء المجاهدين على القاعدين كحرمة أمهاتهم، وما من رجل من القاعدين يخلف رجلاً من المجاهدين في أهله فيخونه فيهم إلا وقف له يوم القيامة فيأخذ من عمله ما شاء. ثم التفت إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: فما ظنكم؟ وأخرج الشيخان عن أنس أنه كان ابن عشر سنين مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وكن أمهاتي يواظبنني على خدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخدمته عشر سنين، وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا ابن عشرين سنة، وكنت أعلم الناس بشأن الحجاب حين أنزل، وكان أبي بن كعب يسألني عنه، وكان أول ما نزل فيه مبتنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش. أصبح النبي صلى الله عليه وسلم عروساً بها، فدعا القوم فأصابوا الطعام، ثم خرجوا وبقي رهط منهم عند النبي صلى الله عليه وسلم، فأطالوا المكث، فقام النبي صلى الله عليه وسلم فخرج وخرجت معه لكي يخرجوا. فَمَشَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَشَيْتُ، حَتَّى جَاءَ عَتَبَةَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ، ثُمَّ ظَنَّ أَنَّهُمْ خَرَجُوا فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا دَخَلَ عَلَى زَيْنَبَ فَإِذَا هُمْ جُلُوسٌ لَمْ يَقُومُوا، فَرَجَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ عَتَبَةَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ ظَنَّ أَنَّهُمْ خَرَجُوا، فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ فَإِذَا هُمْ قَدْ خَرَجُوا، فَضَرَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ بِالسِّتْرِ وَأُنْزِلَ الحِجَابُ. وَأَخْرَجَ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عِنْدَهَا وَفِي البَيْتِ مُخَنَّثٌ، فَقَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ أَخِي أُمِّ سَلَمَةَ: يَا عَبْدَ اللهِ، إِنْ فَتَحَ اللهُ لَكُمْ غَدًا الطَّائِفَ فَإِنِّي أَدُلُّكَ عَلَى ابْنَةِ غَيْلَانَ، فَإِنَّهَا تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا يَدْخُلَنَّ هَؤُلَاءِ عَلَيْكُمْ. وَلِمُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُخَنَّثٌ، وَكَانُوا يَعُدُّونَهُ مِنْ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا وَهُوَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ وَهُوَ يَنْعَتُ امْرَأَةً، قَالَ: إِذَا أَقْبَلَتْ أَقْبَلَتْ بِأَرْبَعٍ وَإِذَا أَدْبَرَتْ أَدْبَرَتْ بِثَمَانٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلَا أَرَاهُ يَعْرِفُ مَا هَاهُنَا، لَا يَدْخُلَنَّ عَلَيْكُمْ. فَحَجَبُوهُ. المُخَنَّثُ: المُتَكَسِّرُ المُتَعَطِّفُ، المُتَخَلِّقُ بِخُلُقِ النِّسَاءِ. وَالإِرْبَةُ هِيَ الرَّغْبَةُ فِي النِّسَاءِ. وَقَوْلُهُ: تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ أَيْ لَهَا فِي بَطْنِهَا أَرْبَعُ عُكَنٍ. فيتقبل بها، وأراد بالثمان أطراف العكن الأربع من الجانبين يمدحها بالسمن.