الحديث رقم 313
نص الحلقة
في باب البيان والشعر أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل. وكاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم. في هذا الحديث منقبة للبيد بن ربيعة، وهو صحابي رضي الله عنه، وكان من كبار الشعراء ومن أصحاب المعلقات. ولما سأله عمر عما قاله من الشعر في الإسلام قال: قد أبدلني الله بالشعر سورة البقرة. وأخرج مسلم عن الشريد بن سويد الثقفي رضي الله عنه قال: أردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً خلفه، فقال: هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء؟ قلت: نعم. قال: هيه. فأنشدته بيتاً، فقال: هيه. ثم أنشدته بيتاً، فقال: هيه. حتى أنشدته مئة بيت. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن كاد ليسلم. وفي رواية: لقد كاد يسلم في شعره. قوله هيه، ويقال إيه، كلمة بمعنى زد، تُقال للاستزادة من حديث أو عمل. قال النووي: ومقصود الحديث أنه صلى الله عليه وسلم استحسن شعر أمية، واستزاد من إنشاده لما فيه من الإقرار بالوحدانية والبعث، ففيه جواز إنشاد الشعر الذي لا فحش فيه وسماعه، سواء شعر الجاهلية وغيرهم، وأن المذموم من الشعر الذي لا فحش فيه. إنما هو الإكثار منه، وكونه غالبًا على الإنسان، فأما يسيره فلا بأس بإنشاده وسماعه وحفظه. وأخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت: اهجهم أو هاجهم وجبريل معك. وللبخاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قريظة لحسان بن ثابت: اهج المشركين فإن جبريل معك. وأخرج الشيخان عن عائشة رضي الله عنها قالت: استأذن حسان بن ثابت رسول الله صلى الله عليه وسلم في هجاء المشركين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فكيف بنسبي؟ فقال حسان: لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين. وفي رواية عن عروة أن حسان بن ثابت كان ممن كثر على عائشة، قال فسببته، فقالت: يا ابن أخي دعه، فإنه كان ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي أخرى قالت: قال حسان: يا رسول الله، إئذن لي في أبي سفيان. قال: كيف بقرابتي منه؟ قال: والذي أكرمك لأسلنك كما تسل الشعرة من الخمير. فقال حسان: وإن سنام المجد من آل هاشم، بنو بنت مخزوم ووالدك العبد. قصيدته هذه. ولمسلم عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اهجوا قريشًا فإنه أشد عليها من رشق بالنبل. فأرسل إلى ابن رواحة. فقال حجهم فلم يرض، فأرسل إلى كعب بن مالك، ثم أرسل إلى حسان بن ثابت، فلما دخل عليه قال حسان: قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضاري بذنبه، ثم أدلع لسانه فجعل يحركه، فقال: والذي بعثك بالحق لأفرينهم بلساني فري الأديم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تعجل، فإن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها، وإن لي فيهم نسبًا، حتى يلخص لك نسبي. فأتاه حسان ثم رجع، فقال: يا رسول الله، قد لخص لي نسبك، والذي بعثك بالحق لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين. قالت عائشة: فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لحسان: إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله. وقالت عائشة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: هجاهم حسان فشفى واشتفى. قوله: كثر على عائشة، يعني في حادثة الإفك. وأبو سفيان هو أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وهو ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين في ذلك الوقت، ثم أسلم وحسن إسلامه رضي الله عنه. وقوله: أدلع لسانه، أي أخرجه، يقال: دلع لسانه وأدلعه، ودلع اللسان بنفسه. وأخرج البخاري ومسلم عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل معنا التراب يوم الخندق. ولقد وارت التراب بياض بطنه، وكان كثير الشعر، فسمعته يرتجز بكلمات لابن رواحة ويقول: والله لولا الله ما اهتدينا، ولا صمنا ولا صلينا، ومنهم من يقول: ولا تصدقنا ولا صلينا، فأنزلن سكينة علينا، وثبت الأقدام إن لاقينا، والمشركون قد بغوا علينا، إذا أرادوا فتنة أبينا، ويرفع بها صوته: أبينا أبينا. وأخرج البخاري عن الهيثم بن أبي سنان أنه سمع أبا هريرة وهو يقص في قصصه يذكر النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن أخا لكم لا يقول الرفث، يعني بذلك عبد الله بن رواحة. قال: وفينا رسول الله يتلو كتابه إذا انشق معروف من الفجر ساطع، أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا به موقنات أن ما قال واقع، يبيت يجافي جنبه عن فراشه إذا استثقلت بالكافرين المضاجع. الرفث: الفحش في القول. وقال الأزهري: الرفث كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من المرأة. ورجح ابن حجر وقف هذا الأثر على أبي هريرة، وعدم رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وفي رواية: إذا استثقلت بالمشركين المضاجع بدل الكافرين. وأخرجه البخاري في فضل من تعار من الليل فصلى. وفي باب ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر حتى يصده عن ذكر الله والعلم والقرآن.