الحديث رقم 289
نص الحلقة
باب في النسب. أخرج مسلم رحمه الله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه. وأخرج الشيخان عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول جهارًا غير سر: إن آل أبي، يعني فلانًا، ليسوا بأوليائي، وفي رواية: ليسوا لي بأولياء، إنما وليي الله وصالح المؤمنين، ولكن لهم رحم أبلها ببلالها، يعني أصلها بصلتها. قاله صلى الله عليه وسلم في بعض قرابته، ومعناه: إنما وليي من كان صالحًا وإن بعد نسبه مني، وليس وليي من كان غير صالح وإن كان نسبه قريبًا. والبلال، بالفتح والكسر، كل ما يبل به الحلق. وأخرج أحمد والبزار وابن حبان والطبراني في الكبير والبيهقي في السنن بسند حسن عن معاذ بن جبل رضي الله عنه لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن خرج معه يوصيه، معاذ راكب ورسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي تحت راحلته، فلما فرغ قال: يا معاذ، إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا، لعلك أن تمر بمسجدي وقبري. فبكى معاذ جزعًا لفراق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم التفت صلى الله عليه وسلم نحو المدينة. فقال إن أهل بيت هؤلاء يرون أنهم أولى الناس بي، وإن أولى الناس بي المتقون من كانوا وحيث كانوا. اللهم إني لا أحل لهم إفساد ما أصلحت، ويم الله لتكفأن أمتي عن دينها كما يكفأ الإناء في البطحاء. الجشع الفزع لفراق الألف، وسبق في حديث جابر قال: أيكم يحب أن يعرض الله عنه؟ قال: فجشعنا. وأخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ثاب معه ناس من المهاجرين حتى كثروا، وكان من المهاجرين رجل لعاب، فكسع أنصاريا، فغضب الأنصاري غضبا شديدا حتى تداعوا، وقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما بال دعوى الجاهلية؟ ثم قال: ما شأنهم؟ فأخبر بكسعة المهاجري الأنصاري، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعوها فإنها خبيثة. وفي رواية فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله القود، فقال: دعوها فإنها منتنة. وسمعها عبد الله بن أبي، فقال: أقد تداعوا علينا؟ لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال صلى الله عليه وسلم: دعه يا عمر، لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه. ولمسلم قال: اقتتل غلامان، غلام من المهاجرين وغلام من الأنصار، فنادى المهاجري: يا للمهاجرين، ونادى الأنصاري: يا للأنصار. فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما هذا؟ دعوى أهل الجاهلية. قالوا: لا يا رسول الله، إلا أن غلامين اقتتلا فكسا أحدهما الآخر. فقال صلى الله عليه وسلم: لا بأس، ولينصر الرجل أخاه ظالماً أو مظلوماً، إن كان ظالماً فلينهه، فإنه له نصر، وإن كان مظلوماً فلينصره. الكسع أن تضرب بيدك أو بصدر قدمك على دبر إنسان أو حيوان. وقوله دعوى الجاهلية هي قولهم: يا لبني فلان، يتداعون بها لنصرة قرابتهم. وقد وصفها صلى الله عليه وسلم بذلك لمن تعزى بالمهاجرين والأنصار، فكيف بمن تعزى بغيرهم من القبائل والأعوان. وأخرج مسلم عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة. الأحساب جمع حسب، وهو الفعل الجميل للرجل وآبائه. وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذا تناعى في الناس هما بهم كفر. الطعن في النسب، والنياحة على الميت. قال النووي: فيه أقوال، أصحها أن معناه هما من أعمال الكفار وأخلاق الجاهلية، والثاني أنه يؤدي إلى الكفر، والثالث أنه كفر النعمة والإحسان، والرابع أن ذلك في المستحل، وفيه التغليظ في هذين الأمرين. وأخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: إن زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد، حتى نزل القرآن: ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله الآية. وأخرج الشيخان عن أبي ذر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ليس من رجل ادعى إلى غير أبيه وهو يعلمه إلا كفر، ومن ادعى ما ليس له فليس منا، وليتبوأ مقعده من النار، ومن دعا رجلاً بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه. حار وباء ورجع بمعنى واحد. وأخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن سعد بن أبي وقاص وأبي بكرة رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من ادعى أباً في الإسلام غير أبيه يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام. وأخرج الشيخان عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا ترغبوا عن آبائكم، فمن رغب عن أبيه فهو كفر. والكفر هنا وفي هذه الحديث مثل ما سبق بيانه. وأخرج البخاري عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال: قال عبد الرحمن بن عوف لصهيب رضي الله عنهما: اتق الله ولا تدع إلى غير أبيك. فقال صهيب: ما يسرني أن لي كذا وكذا وأني قلت ذلك، ولكنني سُرقت وأنا صبي. قاله لأن صهيبًا كان أعجمي اللسان، وكان يقول إنه ابن سنان بن مالك، ويسوق نسبه إلى النمر بن قاسط، وإن أمه من بني تميم، وهو صادق بار رضي الله عنه. وأخرج أحمد والنسائي وابن حبان والحاكم والبيهقي في السنن بسند حسن عن بريدة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن أحساب أهل الدنيا الذي يذهبون إليه هذا المال. هكذا في كل المصادر: أحساب جمع، والذي مفرد مذكر، وفي أكثرها هذا المال، وفي بعضها لهذا المال، وفي بعضها المال دون كلمة هذا. وأخرج الشيخان عن عائشة قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم مسرورًا تبرق أسارير وجهه، فقال: ألم تري أن مجززًا المدلجي دخل علي فرأى أسامة وزيدًا وعليهما قطيفة قد غطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض. وفي رواية: إن بعض هذه الأقدام من بعض، وكان مجزز قائفًا. وفي رواية أبي داود قال أبو داود: سمعت أحمد بن صالح يقول: كان أسامة أسود شديد السواد مثل القار. وكان زيد أبيض مثل القطن رضي الله عنهما. القائف الذي يتتبع الآثار ويعرفها، ويعرف شبه الرجل بأخيه وأبيه، وأسارير الوجه، التكاسير التي تكون في الجبين. قال المازري: وكانت الجاهلية تقدع في نسب أسامة لكونه أسود شديد السواد، وكان زيد أبيض، فلما قضى هذا القائف بإلحاق نسبه مع اختلاف اللون، وكانت الجاهلية تعتمد قول القائف، فرح النبي صلى الله عليه وسلم لكونه زاجرًا لهم عن الطعن في النسب. قال النووي: واختلف العلماء في العمل بقول القائف، فنفاه أبو حنيفة وأصحابه، والثوري وإسحاق، وأثبته جماهير العلماء، ودليلهم هذا الحديث. واتفق القائلون بالقائف على أنه يشترط فيه العدالة. وأخرج الشيخان عن أبي هريرة أن أعرابيًا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن امرأتي ولدت غلامًا أسود، وإني أنكرته، وهو حينئذ يعرض بأن ينفيه، فلم يرخص له في الانتفاء منه، فقال: هل لك من إبل؟ قال: نعم. قال: ما ألوانها؟ قال: حمر. قال: هل فيها من أورق، يعني أسمر؟ قال: نعم. قال: أنى ذلك؟ قال: لعله نزعه عِرْق. قال: فلعل ابنك هذا نزعه عِرْق. الأورق الأسمر، والورقة سواد يخالطه بياض. وأخرج الشيخان عن عائشة وأبي هريرة رضي الله عنهما أن عتبة بن أبي وقاص... عهد إلى أخيه سعد بن أبي وقاص أن ابنة وليدة زمعة مني، فاقبضه إليك. فلما كان عام الفتح أخذه سعد، فقال ابن أخي، عهد إلي فيه. فقال عبد بن زمعة: أخي وابن وليدة أبي، ولد على فراشه. فتساوقا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال سعد: يا رسول الله، ابن أخي، قد كان عهد إلي فيه أنه ابنه، انظر إلى شبهه. وقال عبد بن زمعة: أخي وابن وليدة أبي، ولد على فراشه. فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شبهه، فرأى شبهاً بيناً بعتبة، فقال صلى الله عليه وسلم: هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش، وفي رواية: الولد لصاحب الفراش، وللعاهر الحجر. ثم قال لسودة بنت زمعة: احتجبي منه لما رأى من شبهه بعتبة، فما رآها حتى لقي الله عز وجل. وفي رواية: فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ابن وليدة زمعة، فإذا أشبه الناس بعتبة بن أبي وقاص، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو لك، هو أخوك يا عبد بن زمعة، من أجل أنه ولد على فراشه. وقال صلى الله عليه وسلم: احتجبي منه يا سودة لما رأى من شبه عتبة بن أبي وقاص.