الحديث رقم 300

كتاب الأدب والتربية · المدة 8:27 · المقطع 42 من 60

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

في باب الأيمان والنذور، أخرج البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط من الأشعريين نستحمله، فقال: والله لا أحملكم، وما عندي ما أحملكم عليه. فلبثنا ما شاء الله، ثم أتي بإبل، فأمر لنا بثلاث ذود غُرِّ الذُّرى، فاندفعنا، فقلت لأصحابي: أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم نستحمله، فحلف ألا يحملنا، ثم أرسل إلينا فحملنا. نسي رسول الله صلى الله عليه وسلم يمينه، والله لئن تغفلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمينه لا نفلح أبدا، فرجعنا له، فقال: ما أنا حملتكم، بل الله حملكم. وفي رواية قال: إني والله ما نسيتها، وإني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها. وفي رواية: إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني. قوله نستحمله، أي نطلب منه أن يحملنا، أن يركبنا على الإبل، وكان ذلك في غزوة تبوك كما أخرجه في رواية أخرى، والذود ما بين الثلاث والتسع من الإبل، وقوله غُرُّ الذُّرى، أي بيض الأسنمة. وأخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما أن أبا بكر تضيف رهطا. فقال لعبد الرحمن: دونك أضيافك، فإني منطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأفرغ من قراهم قبل أن أجيء. فانطلق عبد الرحمن فآتاهم بما عنده، فقال: اطعموا. فقالوا: أين رب منزلنا؟ قال: اطعموا. قالوا: ما نحن بآكلين حتى يجيء رب منزلنا. فقلت لهم: إنه رجل حديد، وإنكم إن لم تفعلوا خفت أن يصيبني منه أذى. فلما جاء تنحيت عنه. قال: ما صنعتم؟ فأخبروه. فقال: يا عبد الرحمن. فسكت. فقال: يا غنثر، أقسمت عليك إن كنت تسمع صوتي لما جئت. فخرجت، فقلت: سل أضيافك. فقالوا: صدق، أتانا به. فقال: إنما انتظرتموني، والله لا أطعمه الليلة. فقال الآخرون: والله لا نطعمه حتى تطعمه. قال: لم أر في الشر كالليلة، ويلكم ما أنتم؟ لما لا تقبلون عنا قراكم؟ هات طعامك. فجاء به فوضع يده، فقال: بسم الله، الأولى للشيطان. وفي رواية: أما الأولى فمن الشيطان. فأكلوا وأكلوا. فلما أصبح غدا على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، بروا وحنثت، وأخبره. فقال صلى الله عليه وسلم: بل أنت أبرهم وأخيرهم. قال: ولم تبلغني كفارة. وفي رواية: أن أصحاب الصفة كانوا أناسًا فقراء، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم... قال مرة: من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثلاثة، ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس، بسادس، أو كما قال. وإن أبا بكر جاء بثلاثة، وانطلق نبي الله صلى الله عليه وسلم بعشرة، وأبو بكر بثلاثة. قال: فهو وأنا وأبي وأمي، ولا أدري هل قال وامرأتي وخادم بين بيتنا وبيت أبي بكر. قال: وإن أبا بكر تعشى عند النبي صلى الله عليه وسلم، ثم لبث حتى صليت العشاء، ثم رجع، فلبث حتى نعس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء بعدما مضى من الليل ما شاء الله. قالت له امرأته: ما حبسك عن أضيافك؟ أو قالت: ضيفك؟ قال: أوما عشيتهم؟ قالت: أبوا حتى تجيء، قد عرضوا عليهم فغلبوهم. قال: فذهبت أنا فاختبأت، وقال: يا غنثر، فجدع وسب، وقال: كلوا لا هنيئًا. وقال: والله لا أطعمه أبدًا. قال: فيم الله، ما كنا نأخذ من لقمة إلا ربا من أسفلها أكثر منها. قال: حتى شبعنا، وصارت أكثر مما كانت قبل ذلك. فنظر إليها أبو بكر فإذا هي كما هي أو أكثر. قال لامرأته: يا أخت بني فراس ما هذا؟ قالت: لا وقرة عيني، لهي الآن أكثر منها قبل ذلك بثلاث مرار. قال: فأكل منها أبو بكر، وقال: إنما كان ذلك من الشيطان، يعني يمينه. ثم أكل منها لقمة، ثم حملها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصبحت عنده. قال: وكان بيننا وبين قوم عهد، فمضى الأجل، فتفرقنا اثني عشر رجلاً، مع كل رجل منهم أناس، الله أعلم كم مع كل رجل، فأكلوا منها أجمعون، أو كما قال. قوله: جدع، أي دعا بالجدع، وهو قطع الأنف وغيره من الأعضاء. وغنثر، بضم الغين وفتحها، هو الجاهل، وقيل الثقيل الوخم، وقيل هي كلمة يقولها الغاضب. قال النووي: قوله بل أنت أبرهم، أي أكثرهم طاعة وخير منهم، لأنك حنثت في يمينك حنثاً مندوباً إليه محتوثاً عليه، فأنت أفضل منهم. وقوله وأخيرهم هكذا هو في جميع النسخ بالألف، وهي لغة. وقوله لم تبلغني كفارة، يعني لم يبلغني أنه كفر قبل الحنث، فأما وجوب الكفارة فلا خلاف فيه. وفي الحديث جواز ذهاب من عنده ضيفان إلى أشغاله ومصالحه إذا كان له من يقوم بأمورهم. وفيه ما كان عليه أبو بكر الصديق رضي الله عنه من الحب للنبي صلى الله عليه وسلم والانقطاع إليه، وإيثاره في ليله ونهاره على الأهل والأولاد والضيفان وغيرهم. وأخرج أحمد وابن ماجه وأبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم والبيهقي في السنن. بسند حسن عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من حلف على يمين فقال إن شاء الله فقد استثنى. وفي رواية: من حلف على يمين فاستثنى فهو بالخيار، إن شاء أن يمضي على يمينه، وإن شاء أن يرجع غير حنث، أو قال غير حرج. ورواه مالك موقوفًا على ابن عمر، أنه كان يقول: من قال والله ثم قال إن شاء الله ثم لم يفعل الذي حلف عليه لم يحنث. هذا مذهب الجمهور، قال في المرقاة، قال في شرح السنة: العمل على هذا عند أكثر أهل العلم، وهو أن الاستثناء إذا كان موصولًا باليمين أو مفصولًا عنها بسكتة يسيرة، كالسكتة للذكر أو للعي أو للتنفس، فلا حنث عليه، ولا فرق بين اليمين بالله أو بالطلاق أو بالعتاق، واختلفوا في الاستثناء إذا كان منفصلًا عن اليمين، فذهب أكثرهم إلى أنه لا يعمل به إن طال الفصل أو اشتغل بكلام آخر بينهما ثم استثنى.