الحديث رقم 299
نص الحلقة
في باب تحريم الظلم والتحذير منه، أخرج مسلم عن أبي أمامة الباهلي إياس بن ثعلبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار، وحرم عليه الجنة. فقال رجل: وإن كان شيئًا يسيرًا يا رسول الله؟ قال: وإن قضيبًا من أراك. أبو أمامة هذا اسمه إياس بن ثعلبة الحارثي، وهو غير أبي أمامة المشهور صدي بن عجلان الباهلي رضي الله عنهما. وقوله قضيبًا من أراك هو المسواك. قال النووي: قوله صلى الله عليه وسلم حق امرئ مسلم يدخل فيه من حلف على غير مال من سائر الحقوق، وقوله فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة فيه الجوابان المتكرران في نظائره: أحدهما أنه محمول على المستحل إذا مات على ذلك، والثاني أنه استحق النار ويجوز العفو عنه. وقد حرم عليه دخول الجنة أول وهلة مع الفائزين، وفيه بيان غلظ تحريم حقوق المسلمين، وأنه لا فرق بين قليل الحق وكثيره، وذكر المسلم لا يعني أن غير المسلم بخلافه، بل حكمه حكمه في ذلك. وأخرج البخاري عن ابن أبي أوفى رضي الله عنهما أن رجلًا أقام سلعة في السوق فحلف بالله لقد أعطى بها ما لم يُعطَ، ليوقع فيها رجلًا من المسلمين. فنزلت: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا، أولئك لا خلاق لهم في الآخرة، ولا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم. وقال ابن أبي أوفى: الناجش آكل ربا خائن. قوله: أقام سلعة في السوق أي عرضها، وقوله: أعطى بها ما لم يعط، قال الحافظ: وقع مضبوطًا بضم الهمزة وكسر الطاء: أُعطِيَ، وكذا قوله في آخر الحديث: ولم يُعْطَ، وفي بعضها بفتح الهمزة والطاء: أَعْطَى، وهي أرجح. وفي رواية: فحلف له بالله لأخذها بكذا، وفي رواية: لقد أعطى بها أكثر مما أعطى، بالفتح فيهما، وفي بعضها بضم أوله وكسر الطاء، والأول أرجح. وأخرج مالك والشافعي وابن أبي شيبة وأحمد وابن ماجه وأبو داود والنسائي وأبو يعلى وابن حبان والحاكم والبيهقي في الشعب، رحمهم الله جميعًا، بسند حسن عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يحلف أحد على منبر كاذبًا إلا تبوأ مقعده من النار. وفي رواية: من حلف بيمين آثمة عند منبر هذا فليتبوأ مقعده من النار، ولو على سواك أخضر. وفي أخرى: ما من عبد أو أمة يحلف عند هذا المنبر على يمين آثمة ولو على سواك رطب. إلا وجبت له النار. قال في المرقاة: اليمين الآثمة موجبة للسخط حيث وقعت، لكن في الموضع الشريف أكثر إثماً، وفيه أن الأيمان إنما تصير مغلظة بحسب المكان والزمان، لا بحسب المحلوف عليه وإن كان عظيماً. وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اليمين على نية المستحلف، وفي رواية: يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك، وفي أخرى: على ما يصدقك به صاحبك. قال النووي: هذا الحديث محمول على استحلاف القاضي، وهذا مجمع عليه، ودليله هذا الحديث والإجماع. فأما إذا حلف بغير استحلاف القاضي وورّى، فتنفعه التورية، ولا يحنث، ولا اعتبار بنية المستحلف، فاليمين على نية الحالف في كل الأحوال إلا إذا استحلفه القاضي في دعوى توجهت عليه، فتكون على نية المستحلف. قال: واعلم أن التورية وإن كان لا يحنث بها، فلا يجوز فعلها حيث يبطل بها حق مستحق، وهذا مجمع عليه. وأخرج البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: أُنزلت هذه الآية: لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم في قول الرجل: لا والله، وبلى والله. وأخرج البخاري عن ابن عمر قال: أكثر ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يحلف. لا ومقلب القلوب. وفي رواية: كثيرًا مما كان النبي صلى الله عليه وسلم يحلف: لا ومقلب القلوب. وأخرج مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليكفر عن يمينه، وليفعل الذي هو خير. وفي رواية: اعتمر رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم ثم رجع إلى أهله فوجد الصبية قد ناموا، فأتاه أهله بطعامه فحلف لا يأكل من أجل صبيته، ثم بدا له فأكل. فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال صلى الله عليه وسلم: من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأتها وليكفر عن يمينه. وأخرج مسلم عن تميم بن طرفة عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خير، وليترك يمينه. وفي رواية: جاء سائل إلى عدي بن حاتم فسأله نفقة في ثمن خادم أو في بعض ثمن خادم، فقال: ليس عندي ما أعطيك إلا درعي ومغفري، فأكتب إلى أهلي أن يعطوكها. فلم يرض، فغضب عدي، فقال: أما والله لا أعطيك شيئًا. ثم إن الرجل رضي، فقال: أما والله لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من حلف على يمين ثم رأى أتقى لله منها فليأت التقوى. ما حنثت يميني. الدرع هو القميص، وتدرع بالشيء أي لبسه، والدرع ما يلبسه المحارب على جسده، وهو المراد هنا. والمغفر ما يلبسه على رأسه يستره به، ومنه المغفرة وهي ستر الذنوب. وقوله ما حنثت يميني أي ما جعلت هذا تحنثًا، بل بررت بها وأنفذتها. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: والله لأن يلج أحدكم بيمينه في أهله آثم له عند الله من أن يعطي كفارته التي افترض الله عليه. قوله يلج ويلج بالفتح والكسر أي يصر على ما حلف عليه ولا يرجع. وقوله آثم أي أعظم إثمًا. وقوله صلى الله عليه وسلم والله في مفتتح الحديث، قال النووي في غير ما موضع مشابه فيه جواز الحلف من غير استحلاف ولا ضرورة، ودلائله كثيرة، وهو مستحب إذا كان فيه مصلحة من توكيد الأمر أو تفخيمه أو زيادة طمأنينة أو نفي توهم نسيان أو غير ذلك من المقاصد السائغة، وقد كثر في الأحاديث، وهكذا القسم من الله تعالى كقوله سبحانه: والذاريات والطور والمرسلات، لكن قال أصحابنا يكره من غير حاجة.