الحديث رقم 295
نص الحلقة
في باب النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتاب بطنه، فيدور بها كما يدور الحمار في الرحى، فيجتمع إليه أهل النار، فيقولون: يا فلان، ما لك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى، كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه. وفي رواية عن أسامة أنه قيل له: ألا تدخل على عثمان فتكلمه؟ فقال: أترون أني لا أكلمه إلا أسمعكم؟ والله لقد كلمته فيما بيني وبينه، ما دون أن أفتح أمراً لا أحب أن أكون أول من فتحه، ولا أقول لأحد يكون علي أميراً إنه خير الناس، بعدما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار. فذكر الحديث. قوله: تندلق، أي تخرج بسرعة، وأقتاب بطنه أمعاؤه، واحدها قتب وقتب، وقيل: القتب ما تحوى من البطن، أي استدار، وهي الحوايا، وأما الأمعاء فهي الأغصاب، واحدها قصب. وقوله: دون أن أفتح أمراً، قال النووي: يعني المجاهرة بالإنكار على الأمراء، وفيه الأدب مع الأمراء ووعظهم سراً. وتبليغهم ما يقول الناس فيهم لينكفوا عنه. وقال ابن حجر قوله: لا أقول للأمير إنه خير الناس، أي بل غايته أن ينجو كفافًا. وقال عياض: مراد أسامة أنه لا يفتح باب المجاهرة بالنكير على الإمام، لما يخشى من عاقبة ذلك، بل يتلطف به وينصحه سرًّا، فذلك أجدر بالقبول. وقوله: لا أقول لأحد يكون علي أميرًا إنه خير الناس، فيه ذم مداهنة الأمراء في الحق، وإظهار ما يبطن خلافه كالمتملق بالباطل. فأشار أسامة إلى المداراة المحمودة والمداهنة المذمومة. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن ماجه وأبو داود والترمذي والبزار وأبو يعلى وابن حبان رحمهم الله بسند صحيح عن قيس بن أبي حازم قال: قال أبو بكر بعد أن حمد الله وأثنى عليه: يا أيها الناس، إنكم تقرؤون هذه الآية وتضعونها على غير موضعها: يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم، وإنا سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، وفي رواية: إذا رأوا المنكر فلم يغيروه، أوشك أن يعمهم الله بعقابه. وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من قوم يُعمل فيهم بالمعاصي ثم يقدرون على أن يغيروا ولا يغيرون. وفي رواية: وهم أكثر ممن يعمل بها، إلا يوشك أن يعمهم الله بعقاب. قال القاري في المرقاة: قال النووي: وأما قوله تعالى: عليكم أنفسكم الآية، فليست مخالفة لوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن المذهب الصحيح عند المحققين في معنى الآية أنكم إذا فعلتم ما كلفتم به فلا يضركم تقصير غيركم، مثل قوله تعالى: ولا تزر وازرة وزر أخرى، فإذا كان كذلك فمما كلف به الأمر بالمعروف، فإذا فعله ولم يمتثل المخاطب فلا عتب بعد ذلك عليه لكونه أدى ما عليه. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن ماجه وأبو داود والنسائي وأبو يعلى والحاكم بسند حسن عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يوشك أن يغربل الناس غربلة، وتبقى حثالة من الناس قد مرجت عهودهم وأماناتهم، وكانوا هكذا، وشبك بين أصابعه. قالوا: فكيف نصنع يا رسول الله إذا كان ذلك؟ قال: تأخذون ما تعرفون، وتذرون ما تنكرون، وتقبلون على خاصتكم، وتدعون أمر عامتكم. وفي رواية قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ ذكر الفتنة، فقال: إذا رأيتم الناس مرجت عهودهم، وخفت أماناتهم، وكانوا هكذا، وشبك بين أصابعه. فقمت إليه فقلت: كيف أفعل عند ذلك؟ جعلني الله فداءك. قال: الزم بيتك، واملك عليك لسانك، وخذ ما تعرف ودع ما تنكر، وعليك بأمر خاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة. الحديث رواه البخاري تعليقًا، وسيأتي في كتاب الفتن وأشراط الساعة. وقوله: حثالة، حثالة كل شيء أردؤه وأرذله. ومارج الأمر، ومريج بالفتح والكسر، فهو مارج ومريج، أي التبس واختلط وفسد. قال تعالى: فهم في أمر مريج. قال القاري في المرقاة: قوله: وكانوا هكذا وشبك بين أصابعه، أي يموج بعضهم في بعض، ويلتبس أمر دينهم، فلا يعرف الأمين من الخائن، ولا البر من الفاجر. وقوله: املك لسانك، وفي رواية: أمسك، بقطع الهمزة من الإملاك بمعنى الشد والإحكام، أي أمسك عليك لسانك، ولا تتكلم في أحوال الناس كي لا يؤذوك. وعليك بخاصة نفسك، أي الزم نفسك واحفظ دينك، واترك الناس ولا تتبعهم. قال: وهذا رخصة في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا كثر الأشرار وضعف الأخيار. انتهى. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الفتاوى: قول الله تعالى: عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم، لا يقتضي ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما في الحديث المشهور عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وذكر حديث الباب، وذكر حديث أبي ثعلبة الخشني مرفوعًا في تأويلها. إذا رأيت شحًّا مطاعًا، وهوًى متبعًا، وإعجابَ كلِّ ذي رأيٍ برأيه، فعليك بخويصة نفسك. قال: وهذا يفسر حديث أبي سعيد: من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان. ثم قال: فإذا قوي أهل الفجور حتى لا يبقى لهم إصغاء إلى البر، بل يؤذون الناهية لغلبة الشح والهوى والعجب، سقط التغيير باللسان في هذه الحال، وبقي بالقلب، ولا حول ولا قوة إلا بالله، نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن. وأخرج أحمد والطبراني في الكبير والبيهقي في الشعب بسند صحيح عن أبي أمامة رضي الله عنه أن فتى شابًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا. فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مه مه. فقال: ادنه. فدنا منه قريبًا فجلس. قال: أتحبه لأمك؟ قال: لا، والله جعلني الله فداءك. قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم. قال: أفتحبه لابنتك؟ قال: لا، والله يا رسول الله، جعلني الله فداءك. قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم. قال: أفتحبه لأختك؟ قال: لا، والله جعلني الله فداءك. قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم. قال: أفتحبه لعمتك؟ قال: لا، والله جعلني الله فداءك. قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم. قال: أفتحبه لخالتك؟ قال لا والله، جعلني الله فداءك. قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم. قال فوضع يده عليه، وقال: اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه، فلم يعد بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء.