الحديث رقم 305
نص الحلقة
في باب آداب السفر، أخرج البخاري عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة نحر جزورًا أو بقرة، وفي رواية قال: اشترى مني النبي صلى الله عليه وسلم بعيرًا بوقيتين ودرهم، أو درهمين، فلما قدم صرارًا أمر ببقرة فذبحت فأكلوا منها. أخرجه في باب الطعام عند القدوم، وقال: وكان ابن عمر يفطر لمن يغشاه، والجزور البعير وقد تقدم، وصرار موضع بظاهر المدينة من جهة المشرق. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن ماجه والترمذي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والبيهقي في السنن والبغوي رحمهم الله جميعًا بسند حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يريد سفرًا، فقال: يا رسول الله أوصني. قال: عليك بتقوى الله والتكبير على كل شرف. فلما أن ولى الرجل قال: اللهم اطوِ له البعد، وفي رواية: اللهم ازوِ له الأرض، وهوّن عليه السفر. وأخرج أحمد وابن ماجه وأبو داود والترمذي والنسائي والحاكم بسند حسن عن قزعة بن يحيى قال: أرسلني ابن عمر في حاجة، فقال: تعال حتى أودعك كما ودعني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرسلني في حاجة له، فقال: أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك. باب آداب النوم. أخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا كان جنح الليل أو أمسيتم فكفوا صبيانكم، فإن الشياطين تنتشر حينئذ. وفي رواية: لا ترسلوا فواشيكم وصبيانكم إذا غابت الشمس حتى تذهب فحمة العشاء، فإن الشياطين تنبعث إذا غابت الشمس حتى تذهب فحمة العشاء. وفي أخرى: اكفئوا صبيانكم عند المساء، فإن للجن انتشارًا وخطفة، فإذا ذهب ساعة من الليل فخلوهم، وأغلقوا الأبواب واذكروا اسم الله، وأوكوا قربكم واذكروا اسم الله، وخمروا آنيتكم واذكروا اسم الله، ولو أن تعرضوا عليها شيئًا، وأطفئوا مصابيحكم، فإن الشيطان لا يفتح بابًا مغلقًا، ولا يكشف غطاءً، ولا يحل وكاءً، فإن لم يجد أحدكم إلا أن يعرض على إنائه عودًا ويذكر اسم الله فليفعل، فإن الفويسقة تضرم على أهل البيت بيتهم. وفي أخرى: أطفئوا المصابيح بالليل إذا رقدتم، وغلقوا الأبواب، وأوكوا الأسقية، وخمروا الطعام والشراب، فإن في السنة ليلة، وفي رواية يومًا، ينزل فيها وباء لا يمر بإناء ليس عليه غطاء، أو سقاء ليس عليه وكاء، إلا نزل فيه من ذلك البلاء، وأطفئوا المصابيح عند الرقاد. فَإِنَّ الْهُوَيْسِقَةَ رُبَّمَا جَرَّتِ الْفَتِيلَةَ فَأَحْرَقَتْ أَهْلَ الْبَيْتِ. جُنْحُ اللَّيْلِ ظَلَامُهُ، وَالْفَوَاشِي كُلُّ مُنْتَشِرٍ مِنَ الْمَالِ كَالْإِبِلِ وَالْغَنَمِ وَسَائِرِ الْبَهَائِمِ وَغَيْرِهَا. وَفَحْمَةُ الْعِشَاءِ ظُلْمَتُهُ وَسَوَادُهُ. وَفَسَّرَهَا بَعْضُهُمْ هُنَا بِإِقْبَالِهِ وَأَوَّلِ ظَلَامِهِ. وَقَوْلُهُ: أَوْكُوا، أَيْ ارْبِطُوا، وَالْوِكَاءُ الرِّبَاطُ. وَخَمِّرُوا، أَيْ غَطُّوا، وَالْخِمَارُ كُلُّ مَا غَطَّى مَا تَحْتَهُ. وَقَوْلُهُ: اعْرِضُوا عَلَيْهِ عُودًا، الْمَشْهُورُ فِي ضَبْطِهِ تَعْرِضُ بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّ الرَّاءِ، وَمَعْنَاهُ تَمُدُّهُ عَلَيْهِ عَرْضًا، أَيْ خِلَافَ الطُّولِ، وَهَذَا عِنْدَ عَدَمِ مَا يُغَطِّيهِ بِهِ. وَالْفُوَيْسِقَةُ هِيَ الْفَأْرَةُ، وَتُضْرِمُ أَيْ تُحْرِقُ سَرِيعًا. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: إِذَا كَانَتِ الْعِلَّةُ فِي إِطْفَاءِ السِّرَاجِ الْحَذَرَ مِنْ جَرِّ الْفُوَيْسِقَةِ الْفَتِيلَةَ، فَمُقْتَضَاهُ أَنَّ السِّرَاجَ إِذَا كَانَ عَلَى هَيْئَةٍ لَا تَصِلُ إِلَيْهَا الْفَأْرَةُ لَا يُمْنَعُ إِيقَادُهُ. وَمَا ذَكَرَهُ فِي السِّرَاجِ نَصَّ عَلَيْهِ النَّوَوِيُّ فِي الْقِنْدِيلِ، وَقَالَ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ جُمَلٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْخَيْرِ وَالْأَدَبِ الْجَامِعَةِ لِمَصَالِحِ الْآخِرَةِ وَالدُّنْيَا. أَمَرَ بِهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلسَّلَامَةِ مِنْ إِيذَاءِ الشَّيْطَانِ، وَجَعَلَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَسْبَابًا لِلسَّلَامَةِ مِنْ إِيذَائِهِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِلْإِرْشَادِ، وَقَدْ يَكُونُ لِلنَّدْبِ. وَجَزَمَ النَّوَوِيُّ بِأَنَّهُ لِلْإِرْشَادِ لِكَوْنِهِ لِمَصْلَحَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ قَدْ يُفْضِي إِلَى مَصْلَحَةٍ دِينِيَّةٍ، وَهِيَ حِفْظُ النَّفْسِ الْمُحَرَّمِ قَتْلُهَا. والمال المحرم تبذيره، وقال ابن دقيق العيد: هذه الأوامر لم يحملها الأكثر على الوجوب، فمنها ما يحمل على الندب، وهو التسمية على كل حال، ومنها ما يحمل على الندب والإرشاد معًا، كإغلاق الأبواب، وإيكاء السقاء، وتخمير الإناء، والله أعلم. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يستحب أن يؤخر العشاء، وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها. وفي رواية: كان لا يبالي تأخير العشاء إلى ثلث الليل، وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها. سبق الحديث في كتاب الصلاة باب المواقيت. وأخرج الشيخان عن أبي موسى رضي الله عنه قال: احترق بيت على أهله بالمدينة من الليل، فلما حُدِّث رسول الله صلى الله عليه وسلم بشأنهم قال: إن هذه النار إنما هي عدو لكم، فإذا نمتم فأطفئوها عنكم. قال الطيبي: المشار إليه بقوله هذه النار نار مخصوصة، وهي التي يُخاف عليها من الانتشار. وقال ابن دقيق العيد: يؤخذ من حديث أبي موسى سبب الأمر في حديث جابر بإطفاء المصابيح. وقال ابن حجر: قيده بالنوم لحصول الغفلة به غالبًا، ويستنبط منه أنه متى وُجدت الغفلة حصل النهي. وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تتركوا النار في بيوتكم حين تنامون. وأخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن البراء بن عازب رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، وقل: اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبةً ورهبةً إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، واجعلهن آخر ما تقول، فإنك إن مت في ليلتك مت على الفطرة، وإن أصبحت أصبت خيرًا. قال: فرددتهن لأستذكرهن، فقلت: وبرسولك الذي أرسلت؟ فقال: لا، وبنبيك الذي أرسلت. قال ابن حجر: أولى ما قيل في الحكمة في رده صلى الله عليه وسلم على من قال الرسول بدل النبي أن ألفاظ الأذكار توقيفية، ولها خصائص وأسرار لا يدخلها القياس، فتجب المحافظة على اللفظ الذي وردت به، وهذا اختيار المازري. قال: فيقتصر فيه على اللفظ الوارد بحروفه، وقد يتعلق الجزاء بتلك الحروف، ولعله أوحي إليه بهذه الكلمات فيتعين أداؤها بحروفها. وقال النووي نحوه، وزاد: اختاره المازري وغيره.