الحديث رقم 302
نص الحلقة
في باب الأيمان والنذور، أخرج البخاري عن عائشة قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه. وأخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن ابن عمر رضي الله عنهما أن عمر قال: يا رسول الله، إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام. قال: أوفِ بنذرك، فاعتكف ليلة. وفي رواية لمسلم: أن أعتكف يوماً. قال: أوفِ بنذرك. وفي أخرى لهما أن عمر سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة بعد أن رجع من الطائف، فقال: يا رسول الله، إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف يوماً في المسجد الحرام، فكيف ترى؟ قال: اذهب فاعتكف يوماً. قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أعطاه جارية من الخمس، فلما أعتق رسول الله صلى الله عليه وسلم سبى الناس سمع عمر بن الخطاب أصواتهم يقولون: أعتقنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: ما هذا؟ قالوا: أعتق رسول الله صلى الله عليه وسلم سبى الناس. فقال عمر: يا عبد الله، اذهب إلى تلك الجارية فخلِّ سبيلها. استدل بالحديث على جواز الاعتكاف بغير صوم، لأن الليل ليس بوقت صوم. قال الحافظ رحمه الله: لو كان الصوم شرطاً لصحة الاعتكاف لأمره النبي صلى الله عليه وسلم به، وتُعُقِّب بأنه قال في رواية: يوماً بدل ليلة. وأجاب ابن الجوزي عن رواية اليوم بجوابين: أحدهما احتمال أن يكون نذر نذرين، فيكونان حديثين مستقلين. والثاني أنه ليس فيه حجة إذ لا ذكر للصوم فيه. وأخرج مسلم عن ابن عباس أن امرأة اشتكت شكوى، فقالت: إن شفاني الله لأخرجن فلا أصلين في بيت المقدس، فبرأت ثم تجهزت تريد الخروج، فجاءت ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم تسلم عليها، فأخبرتها بذلك، فقالت: اجلسي فكلي ما صنعتي وصلي في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: صلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا مسجد الكعبة. قال النووي: إذا نذر صلاة في مسجد المدينة أو الأقصى هل تتعين؟ فيه قولان: الأصح تتعين، والثاني لا تتعين بل تجزئه تلك الصلاة حيث صلى. فإذا قلنا تتعين فنذرها في أحد المسجدين ثم أراد أن يصليها في الآخر، ففيه ثلاثة أقوال: أحدها يجوز، والثاني لا يجوز، والثالث وهو الأصح: إن نذرها في الأقصى جاز العدول إلى مسجد المدينة دون عكسه. وأخرج أحمد والدارمي وأبو داود وأبو يعلى والحاكم والبيهقي في السنن بسند حسن عن جابر رضي الله عنه أن رجلاً قام يوم الفتح فقال: يا رسول الله، إني نذرت لله إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس. زاد في رواية ركعتين، قال: صلِّها هنا، ثم أعاد عليه، فقال: صلِّها هنا، ثم أعاد عليه، فقال: شأنك إذن. وأخرج البخاري عن ابن عباس قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب إذا هو برجل قائم، فسأل عنه، فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مروه فليستظل، وليقعد، وليتكلم، وليتم صومه. أبو إسرائيل قال ابن الأثير: هو رجل من الأنصار. وقال ابن حجر: والقاري هو من قريش، من بني عامر بن لؤي، ولا يشاركه أحد من الصحابة في كنيته. قال القاضي: أمره صلى الله عليه وسلم بالوفاء بالصوم، والمخالفة فيما عداه، فدل على أن النذر لا يصح إلا فيما فيه قربة، وما لا قربة فيه فنذره لغو لا عبرة به، وبه قال ابن عمر وغيره من الصحابة، وهو مذهب مالك والشافعي. وأخرج الشيخان رحمهما الله عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى شيخًا يهادى بين ابنيه، فقال: ما بال هذا؟ قالوا: نذر أن يمشي. قال: إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني، وأمره أن يركب. ولمسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم أدرك شيخًا يمشي بين بنيه. يتوكأ عليهما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما شأن هذا؟ قال: ابناه يا رسول الله، كان عليه نذر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اركب أيها الشيخ، فإن الله غني عنك وعن نذرك. قوله: يهادى بينهما، أي يمشي بينهما متكئًا عليهما لضعفه، كما بينته الرواية الأخرى. قال القاري: نذر أن يمشي إلى البيت الحرام. وأخرج البخاري ومسلم عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله الحرام حافية، فأمرتني أن أستفتي لها النبي صلى الله عليه وسلم، فاستفتيته، فقال: لتمش ولتركب. قال النووي: الحديث الأول، يعني حديث الشيخ، محمول على العاجز عن المشي، فله الركوب وعليه دم. وأما حديث أخت عقبة فمعناه تمشي متى قدرت، وتركب إذا عجزت، أو لحقتها مشقة ظاهرة فتركب وعليها دم. قال: بهذا جماعة، والقول الثاني لا دم عليه بل يستحب الدم. وأما المشي حافيًا فلا يلزمه الحفاء، بل له لبس النعلين. وجاء عند أبي داود أنها ركبت للعجز. قال: إن أختي نذرت أن تحج ماشية، وإنها لا تطيق ذلك. فقال صلى الله عليه وسلم: إن الله غني عن مشي أختك، فلتركب ولتهد بدنة. وقال ابن حجر: اختلف فيمن وقع منه النذر في ذلك، أي في المعصية وفيما لا يملك. هل تجب فيه كفارة؟ فقال الجمهور: لا، وعن أحمد والثوري وإسحاق وبعض الشافعية والحنفية: نعم. ونقل الترمذي اختلاف الصحابة في ذلك كالقولين، واتفقوا على تحريم النذر في المعصية، واختلافهم إنما هو في وجوب الكفارة. وأخرج مسلم عن عقبة بن عامر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كفارة النذر كفارة اليمين. وحديث عقبة هذا حمله الجمهور على نذر اللجاج والغضب، وحمله بعض العلماء على النذر مطلقًا، قاله النووي وابن حجر رحمهما الله وجميع علماء المسلمين. وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس قال: استفتى سعد بن عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم في نذر كان على أمه توفيت قبل أن تقضيه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اقضه عنها. وفي رواية: فأفتاه أن يقضيه عنها، فكانت سنة بعد. قال النووي: أجمع المسلمون على صحة النذر ووجوب الوفاء به إذا كان الملتزم طاعة، فإن نذر معصية أو مباحًا كدخول السوق لم ينعقد نذره، ولا كفارة عليه عند جمهور العلماء. وقال أحمد وطائفة: فيه كفارة يمين. وقوله صلى الله عليه وسلم: فاقضه عنها دليل لقضاء الحقوق الواجبة على الميت، فأما الحقوق المالية فمجمع عليها، وأما البدنية ففيها خلاف. ومذهب الجمهور أن الوارث لا يلزمه قضاء النذر الواجب على الميت إذا كان غير مالي. أو كان ماليا ولم يخلف تركة، لكن يستحب.