الحديث رقم 293
نص الحلقة
في باب الغيرة والحجاب وغض البصر، أخرج البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تباشر المرأة المرأة فتنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها. إذا حرم وصف المرأة للرجل كأنه ينظر إليها، فهل يجوز له النظر مباشرة؟ هذه الأحاديث قاطعة في وجوب تغطية النساء لوجوههن، وأنه لا يجوز نظر الرجال الأجانب لوجوههن، بل ولا وصفهن للأجانب، ومثلها ما تقدم في الإذن للخاطب بالنظر، واستثناؤه دليل على منع غيره. أما قول الله تعالى: ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها، فله حدان قرآنيان: الأول قوله سبحانه: ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن، والثاني قوله في النساء القواعد: غير متبرجات بزينة، وهي نكرة في سياق النفي فتعم كل زينة. فما حرم على القواعد إبداؤه والتبرج به وهو كل زينة، فتحريمه على الشواب بأولى وأأكد. وإذا حرم عليها إسماع الرجال صوت خلخالها، فكيف يحل أن تكشف لهم وجهها وتبديه لهم؟ هذا تناقض لا يستقيم في شرائع البشر، فكيف بشريعة الله المحكمة؟ والمذاهب الأربعة مجمعون على وجوب تغطية المرأة وجهها عن الرجال الأجانب، كما نقل الإجماع غير واحد، بل قال النووي: وأما نظر الرجل إلى المرأة فحرام في كل شيء من بدنها. سواء كان بشهوة أم بغيرها، ولا فرق بين الأمة والحرة إذا كانت أجنبيتين، وكذلك النظر إلى وجه الأمرد الحسن الصورة، سواء كان النظر بشهوة أم لا، سواء أمن الفتنة أم خافها، هذا هو المذهب الصحيح المختار عند العلماء المحققين، نص عليه الشافعي وحذاق أصحابه، فهذا إذا لم تكن حاجة، أما إذا كانت حاجة شرعية فيجوز النظر، كما في حالة البيع والشراء والتطبب والشهادة ونحو ذلك، ولكن يحرم النظر في هذه الحال بشهوة، فالنظر بالشهوة حرام على كل أحد غير الزوج والسيد. وقال ابن باز في مجموع الفتاوى: قوله تعالى ذلك أدنى أن يعرفن يدل على تخصيص الوجه، لأن الوجه عنوان المعرفة، فهو نص على وجوب ستر الوجه. وقوله تعالى فلا يؤذين، هذا نص على أن في معرفة محاسن المرأة إذا ألها ولغيرها بالفتنة والشر، فلذلك حرم الله تعالى عليها أن تخرج من بدنها ما تعرف به محاسنها أيا كانت. قال رحمه الله: ولو لم يكن من الأدلة الشرعية على منع كشف الوجه إلا هذا النص منه سبحانه وتعالى، لكان كافيا في وجوب الحجاب وستر مفاتن المرأة، ومن جملتها وجهها، وهو أعظمها، لأن الوجه هو الذي تعرف به، وهو الذي يجلب الفتنة. قال: وقد أجمع علماء السلف على وجوب ستر المرأة المسلمة لوجهها إلا من ذي محرم. باب النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. أخرج مسلم رحمه الله عن تميم الداري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الدين النصيحة. قلنا: لمن؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم. قال النووي، قال الإمام الخطابي: النصيحة كلمة جامعة، معناها حيازة الحظ للمنصوح له. ومعنى الحديث: عماد الدين وقوامه النصيحة، كقوله: الحج عرفة. وقال ابن بطال: النصيحة لازمة على قدر الطاقة إذا علم الناصح أنه يقبل نصحه، وآمن على نفسه، فإن خشي على نفسه أذى فهو في سعة. وأخرج البخاري ومسلم عن زياد بن علاقة قال: سمعت جرير بن عبد الله يقول: يوم مات المغيرة بن شعبة قام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: عليكم بتقوى الله وحده لا شريك له، والوقار والسكينة حتى يأتيكم أمير، فإنما يأتيكم الآن. ثم قال: استعفوا لأميركم، فإنه كان يحب العفو. ثم قال: أما بعد، فإني أتيت النبي صلى الله عليه وسلم قلت: أبايعك على الإسلام، فشرط عليَّ والنصح لكل مسلم، فبايعته على هذا. ورب هذا المسجد إني لناصح لكم. ثم استغفر ونزل. وفي رواية: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم. على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والسمع والطاعة، والنصح لكل مسلم. وفي أخرى: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، فلقنني فيما استطعت، والنصح لكل مسلم. وأخرج البخاري عن أبي هريرة: كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، قال: خير الناس للناس، تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام. وأخرج البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل. قوله في السلاسل، قال أبو داود: يعني الأسير يوثق ثم يسلم. وقال إبراهيم الحربي: المعنى يقادون للإسلام مكرهين، فيكون ذلك سببًا لدخولهم الجنة، وليس المراد أن ثمة سلسلة. وأخرج أبو داود والبيهقي في الشعب بسند حسن عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بلغه عن الرجل الشيء لم يقل: ما بال فلان يقول، ولكن يقول: ما بال أقوام يقولون كذا وكذا. وأخرج مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يستر عبد عبدًا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة. قال النووي: الستر المندوب إليه هنا. هو الستر على ذوي الهيئات ونحوهم ممن ليس معروفًا بالأذى والفساد، فأما المعروف بذلك فيستحب أن لا يُستر عليه، بل تُرفع قضيته إلى ولي الأمر إن لم يُخَف من ذلك مفسدة؛ لأن الستر على هذا يطمعه في الإيذاء والفساد، وجسارة غيره على مثل فعله. هذا كله في ستر معصية وقعت وانقضت، أما معصية رآه عليها وهو بعد متلبس بها، فتجب المبادرة بإنكارها عليه، ومنعه منها على من قدر على ذلك، ولا يحل تأخيرها، فإن عجز لزمه رفعها إلى ولي الأمر إذا لم يترتب على ذلك مفسدة. وأما جرح الرواة والشهود والأمناء على الصدقات والأوقاف والأيتام ونحوهم، فيجب جرحهم عند الحاجة، ولا يحل الستر عليهم إذا رأى منهم ما يقدح في أهليتهم، وليس هذا من الغيبة المحرمة، بل من النصيحة الواجبة، وهذا مجمع عليه. وقال العلماء في القسم الأول الذي يُستر فيه: هذا الستر مندوب، فلو رفعه إلى السلطان ونحوه لم يأثم بالإجماع، لكن هذا خلاف الأولى، وقد يكون في بعض صوره ما هو مكروه.