الحديث رقم 283
نص الحلقة
في باب الصحبة والمحبة وآداب المجالس، أخرج البخاري ومسلم عن سعيد بن المسيب عن أبيه، قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال: أي عم، قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله. فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعودان بتلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إله إلا الله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك. فأنزل الله عز وجل: ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم. وأنزل الله عز وجل في أبي طالب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين. وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمه عند الموت: قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة. فأبى. وفي رواية قال: لولا أن تعيرني قريش. يقولون إنما حمله على ذلك الجزع، لأقررت بها عينك. فأنزل الله: إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء. وفي أخرى قال: إنك لا تهدي من أحببت نزلت في رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يراود عمه أبا طالب على الإسلام. وأخرج أحمد والدارمي وأبو داود والترمذي وأبو يعلى وابن حبان والحاكم والبيهقي في الشعب والبغوي رحمهم الله بسند حسن عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تصاحب، وفي رواية: لا تصحب إلا مؤمنا، ولا يأكل طعامك إلا تقي. قال الخطابي رحمه الله: هذا في طعام الدعوة دون طعام الحاجة، وذلك أن الله تعالى قال: ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا، ومعلوم أن أسراهم كانوا كفارا. وعندما حذر من صحبة من ليس بتقي، وزجر عن مؤاكلته، لأن المطاعم توقع الألفة والمودة في القلوب. وقال القاري: فيه النهي عن مصاحبة الكفار والمنافقين. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا، ولا تنافسوا ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا ولا تدابروا، ولا تهاجروا. وفي رواية: ولا تقاطعوا، ولا تناجشوا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا إخوانًا كما أمركم الله. وفي رواية: وكونوا عباد الله إخوانًا. المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره. التقوى هاهنا، التقوى هاهنا، التقوى هاهنا، ويشير إلى صدره، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وعرضه، وماله. إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم، وفي رواية: لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، وأشار بأصابعه إلى صدره. هذه روايات مسلم. وللبخاري قال: إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا، ولا تباغضوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا، ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك. ولهما عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تقاطعوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخوانًا. وأخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا أنزل الله بقوم عذابًا أصاب العذاب من كان فيهم، ثم بعثوا على أعمالهم. وأخرج البخاري عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لو يعلم الناس ما في الوحدة ما أعلم، ما سار راكب بليل وحده. قال في فتح الباري: قال ابن المنير: ورد هذا في السفر، والحرب أخص من السفر، فيؤخذ من حديث جابر حين ندب النبي صلى الله عليه وسلم الناس يوم الخندق فانتدب الزبير، يعني وحده، يؤخذ منه جواز السفر منفردًا للضرورة، والمصلحة التي لا تنتظم إلا بالانفراد، كإرسال الجاسوس والطليعة، والكراهة لما عداها. ويحتمل أن يكون الجواز للحاجة عند الأمن، والمنع عند الخوف حيث لا ضرورة. وقد وقع في كتب المغازي بعث عدد من الصحابة فرادى في مواطن مختلفة. وأخرج مالك وأحمد وأبو داود والترمذي والبزار والنسائي وابن خزيمة والحاكم والبيهقي في الشعب والبغوي رحمهم الله بسند حسن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب. قال في عون المعبود: قال الطبري: هذا الزجر زجر أدب وإرشاد، لما يُخشى على الواحد من الوحشة، وليس بحرام، والحق أن الناس يتباينون في ذلك، فيحتمل أن يكون الزجر عنه لحسم المادة. فلا يتناول ما إذا وقعت الحاجة لذلك، كإرسال الجاسوس والطليعة. قوله زجر أدب وإرشاد، أي ليس لنهي التحريم ولا لنهي الكراهة. وأخرج البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه أن أعرابيًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة، فقال: متى الساعة؟ قال: وما أعددت لها؟ قال: لا شيء. وفي رواية قال: ما أعددت لها كثير صيام ولا صلاة ولا صدقة، إلا أني أحب الله ورسوله. فقال: أنت مع من أحببت. قال أنس: فما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: أنت مع من أحببت. قال أنس: فأنا أحب النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم، وإن لم أعمل بمثل أعمالهم. وفي رواية أن رجلًا من أهل البادية أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، متى الساعة قائمة؟ قال: ويلك، وما أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها إلا أني أحب الله ورسوله. قال: إنك مع من أحببت. فقلنا: ونحن كذلك؟ قال: نعم. ففرحنا يومئذ فرحًا شديدًا. فمر غلام للمغيرة، وكان من أقراني، فقال: إن أُخِّر هذا فلن يدركه الهرم حتى تقوم الساعة. قوله حتى تقوم الساعة يعني ساعة المخاطبين، كما في حديث عائشة: حتى تقوم عليكم ساعتكم. قال هشام: يعني موتهم. وسيأتي بأشراط الساعة. وأخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، كيف ترى في رجل أحب قوماً ولما يلحق بهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المرء مع من أحب. ولهما عن أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: المرء مع من أحب. قوله: ولما يلحق بهم، أي لم يعمل مثل أعمالهم، كما جاء في حديث أبي ذر عند أحمد وأبي داود وغيرهما. قال: يا رسول الله، الرجل يحب القوم ولا يستطيع أن يعمل بعملهم. قال: أنت يا أبا ذر مع من أحببت.