الحديث رقم 277

كتاب الأدب والتربية · المدة 10:20 · المقطع 19 من 60

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

في كتاب الآداب والتربية، باب ما جاء في الكرام والضيافة. أخرج البخاري ومسلم عن أبي شريح العدوي قال: سمعت أذناي، وأبصرت عيناي، ووعاه قلبي حين تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته. قالوا: وما جائزته يا رسول الله؟ قال: يومه وليلته، والضيافة ثلاثة أيام، فما كان وراء ذلك فهو صدقة عليه، ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه. وفي رواية قال: الضيافة ثلاثة أيام، وجائزته يوم وليلة، ولا يحل لرجل مسلم أن يقيم عند أخيه حتى يؤثمه. قالوا: يا رسول الله، وكيف يؤثمه؟ قال: يقيم عنده ولا شيء له يقريه به. قوله: فليكرم ضيفه جائزته، قال العلماء: معناه الاهتمام به في يومه وليلته، وإتحافه بما يمكن من بر وإلطاف، وأما في اليوم الثاني والثالث فيطعمه ما تيسر، وأما بعد الثلاثة فهو صدقة ومعروف، إن شاء فعل وإن شاء ترك. وقوله: يؤثمه، أي يوقعه في الإثم، ويقريه بفتح أوله، أي يطعمه القرى بكسر القاف، وهو طعام الضيف. وأخرج البخاري ومسلم عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: إنك تبعثنا فننزل بقوم فلا يقروننا. فما ترى؟ فقال: لا. صلى الله عليه وسلم، إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا، فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم. قوله: فلا يقروننا، أي لا يطعموننا طعام الضيف. وقوله: فخذوا منهم حق الضيف، قال ابن حجر: ظاهره أن قرى الضيف واجب، ومن امتنع من الضيافة أُخذت منه قهراً. وقال به الليث مطلقاً، وخصه أحمد بأهل البوادي والقرى دون المدن؛ لأن المدن فيها مطاعم وفنادق. وقال الجمهور: الضيافة سنة مؤكدة وليست بواجبة. قال النووي: وتأول الحديث على أوجه، أحدها أنه محمول على المضطرين، فإن ضيافتهم واجبة، فإذا لم يضيفوهم فلهم أن يأخذوا حاجتهم من مال الممتنعين. والثاني أن المراد أن تأخذوا من أعراضهم بألسنتكم، وتذكروا للناس لؤمهم وبخلهم. وأخرج مسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم قسماً، فقلت: يا رسول الله، والله لغير هؤلاء كان أحق به منهم. قال: إنهم خيروني أن يسألوني بالفحش أو يبخلوني، فلست بباخل. قوله: يسألوني بالفحش أو يبخلوني، أي يلحون علي لضعف إيمانهم أو ينسبونني إلى البخل. قال النووي: وفيه مداراة أهل الجهالة والقسوة. وتألفهم، وجواز دفع المال إليهم إذا كان في ذلك مصلحة. وأخرج أحمد وأبو داود وابن حبان والحاكم والبيهقي في السنن بسند حسن عن عبد الله بن عامر بن العاص رضي الله عنهما قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إياكم والشح، فإنما هلك من كان قبلكم بالشح، أمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا. قال الخطابي: الشح أبلغ من البخل، فالبخل في أفراد ما يمنع، والشح عام من قبل الطبع. وقال ابن الأثير: الشح أشد البخل. وقال الخطابي: والفجور هنا الكذب، وأصل الفجور الميل والانحراف عن الصدق، ويقال للكاذب قد فجر، أي انحرف عن الصدق. وأخرج مسلم عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال له: فراش للرجل، وفراش لامرأته، والثالث للضيف، والرابع للشيطان. قال النووي: قوله للشيطان، قال العلماء معناه أن ما زاد على الحاجة فاتخاذه مباهاة مذمومة، وقيل على ظاهره، كما يدرك المبيت مع من لا يذكر الله عند دخوله. وأما تعديد الفراش للزوجين فيجوز للحاجة، والأفضل اجتماعهما في فراش واحد. وَهُوَ ظَاهِرُ فِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي وَاظَبَ عَلَيْهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْجِمَاعُ، انْتَهَى مُلَخَّصًا. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنِّي مَجْهُودٌ، فَأَرْسَلَ إِلَى بَعْضِ نِسَائِهِ، فَقَالَتْ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا عِنْدِي إِلَّا مَاءٌ. ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أُخْرَى، فَقَالَتْ مِثْلَ ذَلِكَ، وَقُلْنَ كُلُّهُنَّ مِثْلَ ذَلِكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلَا رَجُلٌ يُضِيفُ هَذَا رَحِمَهُ اللهُ. فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو طَلْحَةَ، فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ. فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى رَحْلِهِ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ قَالَتْ: لَا، إِلَّا قُوتُ صِبْيَانِي. قَالَ: فَعَلِّلِيهِمْ بِشَيْءٍ وَنَوِّمِيهِمْ، فَإِذَا دَخَلَ ضَيْفُنَا فَأَرِيهِ أَنَّا نَأْكُلُ، فَإِذَا أَهْوَى بِيَدِهِ لِيَأْكُلَ فَقُومِي إِلَى السِّرَاجِ فَأَطْفِئِيهِ. فَفَعَلَتْ، فَقَعَدُوا وَأَكَلَ الضَّيْفُ وَبَاتَا طَاوِيَيْنِ. فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَقَدْ عَجِبَ اللهُ أَوْ ضَحِكَ اللهُ مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانَةَ. وَفِي رِوَايَةٍ: لَقَدْ عَجِبَ اللهُ مِنْ صَنِيعِكُمَا بِضَيْفِكُمَا اللَّيْلَةَ. فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ. وَفِي رِوَايَةٍ: فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى رَحْلِهِ فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَكْرِمِي ضَيْفَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ الْحُمَيْدِيُّ: وَأَلْفَاظُ الرُّوَاةِ فِيمَا عَدَا مَا ذَكَرْنَاهُ مُتَقَارِبَةٌ. قوله: مجهود من الجهد وهو الجوع والمشقة. قولها: ما عندي إلا ماء، كان في أول الأمر قبل أن يفتح الله عليهم، وقبل خيبر. وقوله: طاويين، أي بغير عشاء. وقيل إن الرجل هو أبو هريرة. وقيل أبو طلحة هنا غير أبي طلحة المشهور زيد بن سهل، زوج أم سليم، فإنه كان غنيًا. وأخرج الشافعي وأحمد وابن ماجه وأبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان والطبري والطبراني في الكبير والحاكم والبيهقي في السنن بسند صحيح عن لقيط بن صبرة قال: كنت وافد بني المنتفق، أو في وفد بني المنتفق، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قدمنا لم نصادفه في منزله، وصادفنا عائشة أم المؤمنين، فأمرت لنا بخزيرة، وفي رواية بعصيدة، فصنعت لنا، وأوتينا بقناع، والقناع طبق من تمر، فلم ننشب أن جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يتقلع يتكفأ، فقال: هل أصبتم شيئًا أو أُمِرَ لكم بشيء؟ قلنا: نعم يا رسول الله. قال: فبينا نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جلوس، إذ دفع الراعي غنمه إلى المراح، ومعه سخلة تيعر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ولدت يا فلان؟ قال: بهمة. قال: اذبح لنا مكانها شاة. ثم قال: لا تحبسن. ثم قال: لا تحسبن أنا من أجلك ذبحناها، لنا غنم مئة، لا نريد أن تزيد. فإذا ولد الراعي بهمة ذبحنا مكانها شاة. الخزيرة: لحم يقطع صغارًا ويصب عليه الماء، ثم يذر عليه الدقيق، فإن كان دقيقًا وسمنًا بلا لحم فهي عصيدة. وقوله: يتقلع في مشيه، ومثلها يتكفأ، أي يتمايل إلى قدام. والمراح بضم الميم: الموضع الذي تراح إليه الماشية ليلًا. وقوله: تيعر من اليعار، هو صوت الغنم. والسخلة ولد المعز، والبهمة واحدة البهم أو البهائم. قوله: ما ولدت يا فلان، بتشديد اللام، خطاب للراعي، يقال: ولدت الشاة إذا حضرت ولادتها فعالجتها حتى تلد. وقوله: لا تحسبن أنا من أجلك ذبحناها، فيه ترك الاعتداد على الضيف، والتبرؤ من الرياء. قال في عون المعبود: والظاهر من هذا أنه لما سمعوا أمره صلى الله عليه وسلم بالذبح قالوا: لا تتكلفوا لنا، فأجابهم بذلك.