الحديث رقم 285

كتاب الأدب والتربية · المدة 10:15 · المقطع 27 من 60

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

لم نزل في باب ما جاء في الضحك والمزاح واللهو والطرب، في حديث عائشة عند البخاري ومسلم، حينما قالت رضي الله عنها: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث. في رواية أن أبا بكر دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى تدففان وتضربان، والنبي صلى الله عليه وسلم متغشٍّ بثوبه، فانتهرهما أبو بكر، فكشف النبي صلى الله عليه وسلم عن وجهه، فقال: دعهما يا أبا بكر، فإنها أيام عيد، وتلك الأيام أيام منى. وفي أخرى قالت: لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً على باب حجرتي، والحبشة يلعبون في المسجد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه، أنظر إليهم، ثم يقوم من أجلي حتى أكون أنا التي أنصرف. قالت: فزجرهم عمر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أمناً يا بني أرفدة، يعني من الأمن. وللبخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: بينما الحبشة يلعبون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بحرابهم، إذ دخل عمر بن الخطاب فأهوى إلى الحصباء فحصبهم بها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعهم يا عمر، يوم بعاث، يوم كان فيه حرب بين الأوس والخزرج قبيل الإسلام، والدرق جمع درقة وهي الترس. وقوله تدففان أي تضربان الدف وأرفدة لقب الحبشة. قال النووي: اختلف العلماء في الغناء، فأباحه جماعة من أهل الحجاز، وهي رواية عن مالك، وحرمه أبو حنيفة وأهل العراق، ومذهب الشافعي كراهته، وهو المشهور من مذهب مالك، واحتج المجوزون بهذا الحديث، وأجاب الآخرون بأن هذا الغناء إنما كان في الشجاعة والقتل والحث في القتال ونحو ذلك، مما لا مفسدة فيه، بخلاف الغناء المشتمل على ما يهيج النفوس على الشر ويحملها على البطالة والقبيح، ولهذا قالت: وليستا بمغنيتين، أي ليستا مما يتغنى بعادة المغنيات، مما يحرك النفوس ويبعث الهوى، وليستا ممن عرف بإحسان الغناء، ولا ممن اتخذ ذلك صنعة وكسبا. وفيه أن ضرب دف العرب مباح في يوم السرور الظاهر، وهو العيد والعرس والختان، وفيه أن مواضع الصالحين وأهل الفضل تنزه عن الهوى واللغو ونحوه، وإن لم يكن فيه إثم. وأخرج أحمد والبخاري في الأدب، وأبو داود والترمذي والطبراني في الكبير، والحاكم والبيهقي في السنن، والبغوي رحمهم الله بسند حسن، عن عبد الله بن السائب بن يزيد، عن أبيه عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يأخذن أحدكم متاع أخيه جادا ولا لاعبا. وفي رواية: لاعبًا ولا جِدًّا، وفي أخرى: لاعبًا جادًّا، ومن أخذ عصا أخيه فليردها إليه، وفي رواية: وإذا وجد أحدكم عصا صاحبه فليردها عليه. قوله: لاعبًا جادًّا، قال أبو عبيد: يعني أن لا يريد بأخذه سرقته، إنما يريد إدخال الغيظ على أخيه، فهو لاعب في السرقة، جاد في إدخال الأذى عليه. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والطبراني في الكبير والبيهقي في السنن بسند حسن عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: حدثنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يسيرون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسير، فنام رجل منهم، فانطلق بعضهم إلى نبل، وفي رواية: حبل معه، فأخذه، فلما استيقظ الرجل فزع، فضحك القوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما يضحككم؟ فقالوا: لا، إلا أنا أخذنا نبل هذا ففزع. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يحل لمسلم أن يروع مسلمًا. وأخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن المغفل رضي الله عنه، وكان ممن بايع تحت الشجرة، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخذف، وقال: إنه لا يقتل الصيد ولا ينكأ العدو، وإنه يفقأ العين ويكسر السن. وفي رواية: أن قريبًا لعبد الله بن المغفل خذف، فنهاه، وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الخذف. وقال لا تصيد صيدًا ولا تنكأ عدوًّا، ولكنها تكسر السن وتفقأ العين. ثم عاد، فقال: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عنه، ثم عدت تخذف؟ لا أكلمك أبدًا. الخذف رميك حصاة أو نواة تأخذها بين سبابتيك وترمي بها، ومثله الرمي بالحصى الصغار بأطراف الأصابع. وقوله نكأ العدو، أي أكثر فيهم القتل والجراح من النكاية، وهي المبالغة في الأذى، ويروى ينكي بالياء. وفقأ عينه، أي بخسها وشقها. قال ابن حجر: وقد اتفق العلماء إلا من شذ منهم على تحريم أكل ما قتله الحجر والبندقة، وهي طين ميبس؛ لأنه يقتل الصيد بقوة رميه لا بحده، فيكون وقيذًا. وقال النووي: فيه هجران أهل البدع والفسوق ومنابذي السنة، وأنه يجوز هجرانهم دائمًا، والنهي عن الهجران فوق ثلاثة أيام إنما هو فيمن هجر لحظ نفسه ومعايش الدنيا، وأما أهل البدع ونحوهم فهجرانهم دائمًا. وهذا الحديث مما يؤيده، مع نظائر له كحديث كعب بن مالك وغيره. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يشير أحدكم إلى أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده فيقع في حفرة من النار. ولمسلم قال: سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى يدعها، وإن كان أخاه لأبيه وأمه. قوله: لا يشير أحدكم، كذا بإثبات الياء، نفي بمعنى النهي، وهو أبلغ. ووقع لبعضهم لا يشر بغير ياء. وقوله: ينزع بالعين المهملة في جميع روايات مسلم، ومعناه يرمي في يده ويحقق ضربته. وعند البخاري بالعين المهملة وبالغين المعجمة: ينزغ من نزغ الشيطان، وفيه التأكيد على حرمة المسلم، والنهي الشديد عن ترويعه. وأخرج الشيخان عن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، وكانت أم سليم مع نساء النبي صلى الله عليه وسلم، وأنجشة غلام النبي صلى الله عليه وسلم يسوق بهن ويحدو. وفي رواية: وكان معه غلام له أسود يقال له أنجشة يحدو، وكان حسن الصوت، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويحك يا أنجشة، رويدًا سوقك بالقوارير. وفي رواية: رويدك سوقًا بالقوارير. وفي أخرى: رويدك يا أنجشة لا تكسر القوارير. وللبخاري قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم في مسير له فحدا الحادي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ارفق يا أنجشة، ويحك بالقوارير. قال قتادة: يعني ضعفة النساء. وقال أبو قلابة: فتكلم النبي صلى الله عليه وسلم بكلمة لو تكلم بها بعضكم لعبتموها عليه. قوله سوقك بالقوارير. الحُداء بضم الحاء وكسرها سوق الإبل والغناء لها. وقوله رويدًا أي سق سوقًا رويدًا. قال الخطابي: كان أنجشة أسود، وكان في سوقه عنف، فأمره أن يرفق بالمطايا. وقيل كان حسن الصوت بالحداء، فكره أن تسمع النساء الحُداء، فإن حسن الصوت يحرك من النفوس. فشبه ضعف عزائمهن وسرعة تأثير الصوت فيهن بالقوارير في سرعة الكسر إليها. وجزم ابن بطال بالأول، وجزم أبو عبيد الهروي وصاحب التحرير وآخرون بالثاني، ورجحه القاضي عياض، وجوز القرطبي في المفهم الأمرين. قال أنس: كان البراء بن مالك يحدو بالرجال، وأنجشة يحدو بالنساء. وفي قوله صلى الله عليه وسلم: لا تكسر القوارير نهي لكل من أراد الإضرار بالنساء، سواء كان الإضرار مكشوفًا أو مموهًا بزعم حقوقها وحريتها، فإنما بفعله يكسر قوارير.