الحديث رقم 278
نص الحلقة
أخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه. أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته، فتكسر خزانته، فينتقل طعامه؟ وفي رواية: فينتثل طعامه. إنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم، فلا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه. الماشية اسم لجميع الإبل والبقر والغنم السائمة، وأكثر ما يستعمل في الغنم. والمشربة بضم الراء وفتحها: الغرفة. وقوله: ينتثل، أي يفرق ويبدد. ويحلب بكسر اللام وضمها. قال النووي: فيه تحريم أخذ مال أحد والتصرف فيه بغير إذنه، وأنه لا فرق بين اللبن وغيره، وسواء المحتاج وغيره إلا المضطر، فإن وجد المضطر ميتة وطعامًا لغيره، ففيه خلاف مشهور للعلماء، والأصح عندنا أكل الميتة. أما غير المضطر، فإذا كان له إدلال على صاحب الطعام بحيث يعلم أو يظن أن نفسه تطيب بأكله منه بغير إذنه، فله أن يأكل. وأما شرب النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر في الهجرة من لبن غنم الراعي، فقد قدمنا أنه يحتمل أنهما شرباه إدلالًا على صاحبه؛ لأنهما كانا يعرفانه. أو أنه أذن للراعي أن يسقي منهم من مر به، أو أنه مال حربي لا أمان له، والله أعلم. باب شكر النعمة. أخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما أنزل الله من السماء من بركة إلا أصبح فريق من الناس بها كافرين، ينزل الله الغيث فيقولون بكوكب كذا وكذا. وفي رواية: الكوكب كذا وكذا. وفي أخرى قال صلى الله عليه وسلم: ألم تروا إلى ما قال ربكم؟ قال: ما أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين، يقولون: الكواكب وبالكواكب. وقد يدخل في هذا كل من نسب شيئًا من نعم الله إلى غير الله من الأسباب أو الأعوان، فهما في النعم فريقان: فريق يقول مقالة قارون: إنما أوتيته على علم عندي، يعني أن الله آتاني هذه الكنوز على علم منه باستحقاقي إياها لفضلٍ فيَّ، وقيل: على علم عندي بوجوه التجارة والكسب، ولم يعلم أنه لو لم يسهل الله له اكتسابها لما اجتمعت عنده. وفريق يقول مقالة سليمان عليه السلام: هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر، ومن شكر فإنما يشكر لنفسه، ومن كفر فإن ربي غني كريم. وأخرج مسلم عن ابن عباس قال: مطر الناس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر. قالوا هذه رحمة الله، وقال بعضهم لقد صدق نوء كذا وكذا، فنزلت هذه الآية: فلا أقسم بمواقع النجوم حتى بلغ: وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون. قوله: تجعلون رزقكم أي شكركم، وقيل: تجعلون شكر رزقكم، وقال الحسن: أي تجعلون حظكم. وقال أبو عمرو بن الصلاح: ليس مراده أن جميع هذا نزل في قولهم في الأنواء، فإن الأمر في ذلك وتفسيره يأبى ذلك، وإنما النازل في ذلك قوله تعالى: وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون، والباقي نزل في غير ذلك، ولكن اجتمع في وقت النزول فذكر الجميع. ومما يدل على هذا أن في بعض الروايات عن ابن عباس الاقتصار على هذا القدر اليسير فحسب. وأخرج البخاري ومسلم عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: قام النبي صلى الله عليه وسلم حتى تورمت قدماه، فقيل له: قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. قال: أفلا أكون عبداً شكوراً؟ وفي رواية: إن كان النبي صلى الله عليه وسلم ليقوم أو ليصلي حتى ترم أو تنتفخ قدماه أو ساقاه، فيقال له، فيقول: أفلا أكون عبداً شكوراً؟ سبق نظيره في باب صلاة الليل من حديث عائشة رضي الله عنها. وأخرج البخاري عن جبير بن المطعم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في أسارى بدر. لو كان المطعم بن عدي حياً ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له. المطعم بن عدي سعى في نقض صحيفة المقاطعة، مقاطعة قريش لبني هاشم، وقد مات مشركاً. والنتنى جمع نتن، وهو كريه الرائحة. وكان هذا في بدر أول الأمر، إذ كان للنبي صلى الله عليه وسلم أن يتصرف في الغنيمة كيف شاء، وإنما نزل فرض الخمس بعد قسمة غنائم بدر، فلم يتصرف بعد ذلك في الغنيمة إلا بإذن الغانمين ورضاهم، كما في قصة إرجاع سبايا حنين لهوازن. وفي الحديث ذكر النبي صلى الله عليه وسلم للمعروف ومكافأته عليه بأكثر منه. وأخرج أحمد والبخاري في الأدب وأبو داود والترمذي وأبو يعلى والحاكم والبيهقي في السنن بسند صحيح عن أنس رضي الله عنه قال: قال المهاجرون: يا رسول الله، ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم، أحسن مواساةً في قليل، ولا أحسن بذلاً في كثير. لقد كفونا المؤونة، وأشركونا في المهنأ، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله. قال: لا، ما أثنيتم عليهم ودعوتم الله لهم. قال في البرقا: قال القاضي: يريدون ما أشركوهم فيه من زروعهم وثمارهم، وقوله ما أثنيتم ودعوتم، أي ما دمتم تثنون عليهم وتدعون لهم بخير، فإن ذلك يقوم بحسناتهم إليكم، وثواب حسناتكم راجع عليكم. انتهى ملخصا.