الحديث رقم 282
نص الحلقة
في باب المحبة والصحبة وآداب المجالس، أخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى، فأرصد الله له على مدرجته ملكاً، فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخاً لي في هذه القرية. قال: هل لك عليه من نعمة تربها؟ قال: لا، غير أني أحببته في الله. قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه. قوله: أرصد له ملكاً، أي أعده له، والإرصاد الإعداد، كقوله: وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل، وحديث: إلا ديناراً أرصده لدين، ومدرجته طريقه، وقوله: تربها، أي تراعيها. وأخرج مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله تعالى يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي. وأخرج أحمد والبخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان والطبراني في الكبير والحاكم رحمهم الله بسند حسن عن المقدام بن معدي كرب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا أحب الرجل أخاه فليخبره أنه يحبه. وأخرج البخاري ومسلم عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يقيمن أحدكم أخاه ثم يجلس في مجلسه، ولكن تفسحوا وتوسعوا. وفي رواية: نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقام الرجل من مجلسه ويجلس فيه آخر، ولكن تفسحوا وتوسعوا. وكان ابن عمر إذا قام له رجل عن مجلسه لم يجلس فيه. قيل لنافع في الجمعة، قال: في الجمعة وغيرها. وأخرج أحمد، والبخاري في الأدب، وأبو داود، والترمذي، والبيهقي في السنن بسند حسن، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يجلس بين رجلين إلا بإذنهما. وفي رواية: لا يحل لرجل أن يفرق بين اثنين إلا بإذنهما. وأخرج مسلم عن جابر بن سمرة قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآنا حلقًا، فقال: ما لي أراكم عزين؟ حلقًا، وحلقًا جمع حلقة، بسكون اللام وقد تفتح، وعزين جمع عِزَة، أي جماعة جماعة، ومعنى الحديث النهي عن التفرق، والأمر بالاجتماع. وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا قام أحدكم من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به. وأخرج الشيخان عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس. من أجل أن ذلك يحزنه. ولهما عن ابن عمر قال: إذا كان ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث، ولمسلم: دون واحد. قوله: فلا يتناجى هو نفي بمعنى النهي، وهي بعض النسخ: فلا يتناجى اثنان بلفظ النهي. وأخرج مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأكل الرجل بشماله أو يشرب بشماله، أو يمشي في نعل واحدة، أو يشتمل الصماء، أو يحتبي في ثوب واحد كاشفًا عن فرجه، وأن يرفع إحدى رجليه على الأخرى وهو مستلق على ظهره، وفي أخرى: لا يستلقي أحدكم ثم يضع إحدى رجليه على الأخرى. سبق الحديث بطوله في كتاب اللباس، والنهي عن الاستلقاء المذكور إذا كانت تظهر العورة، وإلا فليس منهيًّا عنه، كما في الحديث الآتي. أخرج البخاري ومسلم عن عباد بن تميم عن عمه أنه أبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطجعًا، وفي رواية: مستلقيًا في المسجد، رافعًا إحدى رجليه على الأخرى. وعن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب قال: كان عمر وعثمان يفعلان ذلك. قال النووي: قال العلماء: النهي عن الاستلقاء رافعًا إحدى رجليه على الأخرى محمول على حالة تظهر فيها العورة، وأما فعله صلى الله عليه وسلم فكان على وجه لا يظهر منها شيء، وهذا لا بأس به ولا كراهة. ولعله فعله لحاجة عارضة، وإلا فمعلوم أن أكثر ما كان يجلس صلى الله عليه وسلم محتبيًا أو متربعًا أو نحوها من جلسات الوقار والتواضع. وأخرج البخاري عن ابن عمر قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بفناء الكعبة محتبيًا بيديه هكذا، ووصف بيديه الاحتباء، وهو القرفصاء. قوله بفناء الكعبة أي جانبها من قبل الباب، وفناء الدار ما حولها من الساحات. والقرفصاء جلسة المحتبي، حيث يدير ذراعيه ويديه على ساقيه، أو يشد ساقيه إلى بطنه بثوب. وبعدما ذكر ابن حجر الأقوال في صفة القرفصاء قال: والذي يتحرر من هذا كله أن الاحتباء قد يكون بصورة القرفصاء، لا أن كل احتباء قرفصاء، والله أعلم. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إياكم والجلوس في الطرقات. فقالوا: يا رسول الله، ما لنا بد من مجالسنا نتحدث فيها. قال: فإذا أبيتم إلا المجالس فأعطوا الطريق حقها. قالوا: وما حق الطريق؟ قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، وأمر بالمعروف، ونهي عن المنكر. وأخرج مسلم عن أبي طلحة قال: كنا قعودًا بالأفنية نتحدث، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام علينا، فقال: ما لكم ولمجالس الصعدات؟ اجتنبوا مجالس الصعودات، فقلنا: إنما قعدنا لغير ما بأس، قعدنا نتذاكر ونتحدث. قال: إما لا، فأدوا حقها: غض البصر، ورد السلام، وحسن الكلام. الصعودات الطرقات، واحدها صعيد، كطريق وطرقات، وهي فناء باب الدار وممر الناس بين يديه. قوله: إما لا، فكذا معناها: إلا تفعل هذا فافعل هذا. وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اتقوا اللعانين. قيل: ومن اللعانان يا رسول الله؟ قال: الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم. قوله اللعانان أي الجالبان لللعن، وقوله يتخلى أي يتغوط ويقضي حاجته. قال النووي: قال الخطابي وغيره من العلماء: المراد بالظل هنا مستظل الناس الذي اتخذوه مقيلًا ومناخًا ينزلونه ويقعدون فيه، وليس المراد كل ظل. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق فأخره، فشكر الله له فغفر له. وأخرج مسلم عن أبي برزة رضي الله عنه قال: قلت: يا نبي الله، إني لا أدري لعسى أن تمضي وأبقى بعدك، فزودني شيئًا ينفعني الله به. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: افعل كذا، افعل كذا. وأَمِرَّ الأذى عن الطريق. وفي رواية قلت: يا نبي الله، علمني شيئًا أنتفع به. قال: أزل الأذى عن طريق المسلمين. قال النووي: وأَمِرَّ الأذى هكذا هو في معظم النسخ، وكذا نقله القاضي عن عامة الرواة بتشديد الراء، ومعناه أزله، وفي بعض النسخ وأمِزْ بزاي مخففة، وهو بمعنى الأول.